المعنى الجملي : بعد أن أسلف - سبحانه - أنه أهلك من أشرك به بعاجل العقاب، وسيعذبه بشديد العذاب، ولا ينفعه في الدارين معبوده، ولا يجديه ركوعه وسجوده – أردف هذا تمثيل حال من اتخذ معبودا دون الله بحال العنكبوت، وقد اتخذت لها بيتا لا يريحها إذا هي أوت، ولا يجيرها من حر أو برد إذا هي ثوت، ثم زاد الإنكار توكيدا فذكر أن ما يدعونه ليس بشيء، فكيف يتسنى للعاقل أن يترك القادر الحكيم، ويشتغل بعبادة من ليس بشيء ؟ ثم أردف هذا ببيان فائدة ضرب الأمثال للناس، وأنه لا يدرك مغزاها إلا ذوو الألباب، الذين يفهمون خبيء الكلام، وظاهره، وسره وعلانيته، ثم ذكر أنه لم يخلق السماوات والأرض إلا لحكمة يعلمها المؤمنون، ويدركها المستبصرون وهي ما أرشد إليها بقوله : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( الذاريات : ٥٦ ).
وبعد أن أمر سبحانه عباده بما تقدم بيانه وأظهر الحق ببرهانه، ولم يهتد بذلك المشركون، سلّى رسوله بأمره بتلاوة كتابه وعبادته تعالى طرفي النهار وزلفا من الليل، وإرشاده إلى أن الله عليم بما يصنع عباده، وسيجازيهم كفاء ما يعملون من خير أو شر.
الإيضاح : ثم خاطب رسوله مسليا له بقوله :
اتل ما أوحي إليك من الكتاب أي أدم تلاوة الكتاب تقربا إلى الله بتلاوته، وتذكرا لما في تضاعيفه من الأسرار والفوائد وتذكيرا للناس، وحملا لهم على العمل بما فيه من أحكام وآداب ومكارم أخلاق.
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أي وأد الصلاة على الوجه القيم مريدا بذلك وجه الله ؛ والإنابة إليه مع الخشوع والخضوع له ؛ فإنها إن كانت كذلك نهتك عن الفحشاء والمنكر ؛ لما تحويه من صنوف العبادات من التكبير والتسبيح، والوقوف بين يدي الله عز وجل، والركوع والسجود بغاية الخضوع والتعظيم، ففي أقوالها وأفعالها ما يومئ إلى ترك الفحشاء والمنكر، فكأنها تقول : كيف تعصي ربا هو أهل لما أتيت به ؟ وكيف يليق بك أن تفعل ذلك وتعصيه ؟ وأنت وقد أتيت بما أتيت به من أقوال وأفعال تدل على عظمة المعبود وكبريائه، وإخباتك له، وإنابتك إليه، وخضوعك لجبروته وقهره ؛ إذا عصيته وفعلت الفحشاء والمنكر تكون كالمناقض نفسه بين قوله وفعله.
ولذكر الله أكبر أي ولذكر الله تعالى إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته.
والله يعلم ما تصنعون من خير أو شر وهو يجازيكم كفاء أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما جرت بذلك سنته في خلقه، وهو الحكيم الخبير.
ولا يخفى ما في ذلك من وعد ووعيد ؛ وحث على مراقبة الله في السر والعلن فإنه يعلم السر وأخفى ( طه : ٧ ).
ثم تفسير هذا الجزء من كلام ربنا القديم بمدينة حلوان من أرباض القاهرة حاضرة الديار المصرية في اليوم الثامن والعشرين من شهر ربيع الثاني من سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف هجرية. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
تفسير المراغي
المراغي