إِنَّ فِي ذَلِكَ أي: في خلقها لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لدلالة على قدرة الله تعالى وتوحيده.
٤٥ - قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ قال ابن عباس: يعني القرآن (١) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ يريد: وأتم الصلاة (٢). ونحو ذلك قال مقاتل (٣).
إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ كان ابن مسعود يقول: إن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، ومن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" (٤). وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا مقتًا" (٥).
(٢) في نسخة (أ)، (ب): الصوم. وهو خطأ. وقول ابن عباس في "تنوير المقباس" ٣٣٦.
(٣) "تفسير مقاتل" ٧٣ ب.
(٤) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٦٠ ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود، يرفعه. وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فالضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وجويبر ضعيف جدًا.
وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود يرفعه، بلفظ: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر".
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٨، بإسناده عن معمر عمن سمع الحسن يحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو بهذا حديث مرسل، وفيه جهالة من روى عن الحسن. ولفظه: بعدا. وأخرجه أيضًا بإسناده عن الثوري عن إسماعيل عن الحسن يرفعه. باللفظين: بعدًا، ومقتا. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه-. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٦، من طريق الحسن، عن عمران بن حصين يرفعه بلفظ: "من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" وأخرج أيضًا من طريق أبي معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، يرفعه. =
وقال ابن عباس: يقول في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد إلا بعدًا (١). وهذا قول الحسن وقتادة؛ قالا: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، هي وبال عليه (٢).
ومعنى هذا التأويل: أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله تعالى، وإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب هذا المقيمُ الصلاةَ يومًا وترك معاصيه، تبين أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان؛ كما روي أن رجلاً
(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، عن ابن عباس، وابن مسعود.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٦٩. وأخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، بنحوه.
من الأنصار على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الخمس، ثم لا يدع شيئًا من الفواحش إلا رَكِبَه فوُصِف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حالُه؛ فقال: "إن صلاته تنهاه يومًا ما" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألم أقل لكم: إن صلاته تنهاه" (١).
وروى السدي عن أصحابه في قوله: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ قال: الرجل يصلي الصلاة فيحسنها ثم يهم أن يعمل الخطيئة فيذكر صلاته، فيقول: لا أفسد صلاتي.
وفي الآية قول ثانٍ؛ قال مقاتل: إن الإنسان ما دام يصلي لله فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر، لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف (٢). وهو قول الكلبي وابن عون (٣)؛ قالا: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ما كان فيها (٤)؛ لأنه إن فعل شيئًا من هذين بطلت صلاته. واختار ابن قتيبة
(٢) "تفسير مقاتل" ٧٣ ب.
(٣) "تفسير مقاتل" ٧٣ ب.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٧، عن الكلبي. و"تنوير المقباس" ٣٣٦. وأخرجه ابن =
هذا القول؛ وقال: المصلي لا يكون في منكر ولا فاحشة ما دام فيها (١).
قال الكلبي: الْفَحْشَاءِ المعصية (٢). وهو: ما قبح من العمل وَالْمُنْكَرِ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (٣). والقول هو الأول (٤).
وقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (٥).
وروى عطية عنه قال: هو قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (٦). وهو: قول عبد الله، وسلمان، ومجاهد، ومقاتل؛ قال: يقول: إذا صليت لله فقد ذكرته، فيذكرك الله
(١) "غريب القرآن" لابن قتيبة ٣٣٨.
(٢) "تنوير المقباس" ٣٣٦. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٧، عن ابن عباس، وعكرمة والحسن.
(٣) "تنوير المقباس" ٣٣٦. الفحشاء من المنكر، فتكون الآية من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ١٣٦].
(٤) أي: أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين.
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٨، وابن جرير ٢٠/ ١٥٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٧، كلهم من طريق عبد الله بن ربيعة. وأخرجه كذلك الحاكم ٢/ ٤٤٤، كتاب التفسير، رقم (٣٥٣٨)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.
- عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخرج له الترمذي، ولم أجد له ترجمة قال عنه ابن حجر: مجهول. "تهذيب الكمال" ١٤/ ٤٨٩، و"تقريب التهذيب" ٥٠٥.
(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٦. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، مرفوعًا من طريق نافع، عن ابن عمر.
بخير، وذكرُ الله إياك أفضل من ذكرك إياه في الصلاة (١).
ونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير (٢). وعلى هذا الوجه معنى قوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ بعد قوله: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول (٣).
الوجه الثاثي في تفسير الآية: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء. وهذا قول أبي الدرداء وقتادة (٤).
وروي معنى هذا الوجه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: "ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل" (٥).
(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٦، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه ٢٠/ ١٥٨، عن السدي. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٦١ ب، عن السدي.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣١٧. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ٣٣٨. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٧٠.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٧، عن قتادة، وأخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ١٥٧، وذكره عنهما الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ.
(٥) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٦٠ ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، =
والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل (١). والمعنى على هذا الوجه أن الله تعالى أخبر أن ذكره على كل الأحوال أكبر وأفضل؛ وذلك أن العبد إذا كان ذاكرًا الله في كل حال، لم يجر عليه القلم بمعصية؛ لأنه إذا ذكر ارتدع عما يهم به من السوء. فأما من يذكره بلسانه وهو مع ذلك يرتكب محظورًا، وما لا يحل، فليس هو ذاكرًا الله على الحقيقة. وعلى هذا لا تعلق لقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ بما قبله.
وقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر (٢). فعلى الوجه الأول: المصدر الذي هو الذكر مضاف إلى الفاعل، وفي الوجه الثاني: مضاف إلى المفعول، وإن قال قائل في معنى الآية على الوجه الثاني: إن الله تعالى أمر نبيه -عليه السلام- بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن (٣). ويجوز أن يكون المعنى: وذكر الله الذي هو تلاوة القرآن، أكبر من الصلاة، فهو أحرى أن
(١) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٦٠ ب.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣١٧. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ٣٣٨.
(٣) ذكر هذا القول ابن جرير ٢٠/ ١٥٤، فقال: قال بعضهم: عني بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة. ثم أخرج بسنده عن ابن عمر، قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد. ولم يحكه عن غيره. وذكره عن ابن عمر، الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، ولفظه: القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي