ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٨:ومن هنا يعود كتاب الله إلى تحذير المؤمنين مرة أخرى من دسائس خصوم الإسلام، فينهاهم نهيا باتا عن اتخاذهم بطانة لهم من دون المؤمنين ويمنع المسلمين من الإفضاء إليهم بأسرارهم، وذلك حتى لا يستعين عليهم بها أعداؤهم.
ولا يقف كتاب الله عند هذا الحد، بل يكشف للمسلمين حقائق خصوم الإسلام الدفينة، ونواياهم الخفية، فهم بشهادة الله الذي يعلم السر والنجوى، حريصون كل الحرص على أن يبلبلوا أفكار المسلمين، ويجعلوها مضطربة متناقضة متشاكسة باستمرار، ليظل المسلمون على الدوام في حيرة واضطراب وبلبلة، ولا يهتدوا سبيلا.
وهم بشهادة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يحملون للمسلمين بغضا دفينا، وكرها عميقا، وهذا البغض يتجلى في فلتات ألسنتهم، ويبرز على ملامحهم وفي انطباعاتهم، كلما جاءت مناسبة أو دعت ضرورة لبروزه.
ثم ينعى كتاب الله على السذج من المسلمين ما هم عليه من سذاجة يستغلها خصومهم إلى أقصى الحدود، حتى أنهم ليبادرون إلى محبة أولئك الخصوم الألداء، بينما خصومهم ثابتون على حقهم، ولا يتنازلون عن بغضهم للإسلام وأهله قيد شعرة، وهذه باختصار هي بعض المعاني التي اشتمل عليها قوله تعالى، مما يجب أن نتدبره بكامل الانتباه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ( ١١٨ ) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، ( ١١٩ ) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ( ١٢٠ ) .
وقوله تعالى : بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ أي بطانة من غيركم من أهل الأديان الأخرى، وبطانة الرجل هم خاصة صحبه الذين يطلعون على داخل أمره.
وقوله تعالى : وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ أي أنهم لا يتمنون للمسلمين إلا ما فيه إضرار بهم، وإعنات لهم، من أنواع الشقاء والضرر والفساد.
وقوله تعالى في التعقيب على هذه البيانات الإلهية والإنذارات السماوية قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ معناه أنه قد بين للمسلمين منابع الخطر وأسباب الضرر ليتجنبوها، ولا يقعوا في أشراكها، إن كان عندهم من العقل السليم، والرأي السديد ما يعالجون به شؤونهم، ويحفظون به كيانهم، وذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فإن وقعوا في مصايد الأعداء ومكايدهم بعد ذلك كانت المسؤولية عليهم وحدهم بدءا وختاما.
وقوله تعالى : وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ معناه أن المسلمين قوم متسامحون نزهاء لا يفرقون بين رسل الله، ولا بين كتبه المنزلة، فهم يؤمنون بجميع الرسل وبجميع رسالاتهم كما أوحى بها الله، بينما خصوم الإسلام على عنادهم ثابتون، وفي تعصبهم راسخون، وموقفهم من الإسلام ورسوله وكتابه موقف الكفر والتجاهل إن لم يكن موقف الازدراء والاحتقار، والكيد الظاهر والمكر الخفي، وهكذا يؤمن المسلمون بكل الكتب المنزلة على الشكل الأصلي الذي أنزلت عليه، بما فيها توراة موسى وإنجيل عيسى، بينما خصوم الإسلام لا يؤمن كل فريق منهم إلا بكتابه وحده، رغما عن تحريفه وتزييفه، دون بقية الكتب، وذلك لما هم عليه من تحيز وتعصب وضيق أفق.
وقوله تعالى : وإذا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ فيه تصوير كاشف لحالة خصوم الإسلام الذين يتساهل المسلمون فيجعلونهم بطانة لهم، وهذا التصوير يثبت أن غيظهم على المسلمين قد جاوز كل الحدود، إذ إن الإنسان العادي لا يعض أصابعه من الغيظ إلا إذا بلغ به الغيظ نهايته، وفقد وعيه بالمرة.
وقوله تعالى : قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ خطاب من الله لخصوم الإسلام المندسين بين المسلمين وفيه إيماء إلى ما يجب على المسلمين من اتخاذ الحيطة والحذر إزاء هذا النوع من الخصوم الماكرين، ولا شك أن أحسن حيطة يتخذها المسلمون إزاءهم هي الابتعاد عنهم ما أمكن، مادامت القلوب غير متصافية، والنفوس متجافية، كما بين الله ورسوله.
وقوله تعالى : إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ( ١١٩ ) تأكيد للمعاني السابقة وتثبيت لها في أذهان الغافلين من المؤمنين وتذكير لهم بإحدى البديهيات العقلية والدينية، ألا وهي أن الله جل جلاله هو العليم بذات الصدور، المطلع على دفائنها، وإذن فوصفه لخصوم الإسلام وأعدائه هو الوصف الوحيد المطابق للواقع، وهو الحقيقة الناطقة التي ليس لها من دافع، ولذلك يجب على المسلمين امتثال أوامر الله فيمن يصادقونه ومن يعادونه وَمَن يَّتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَد ظَّلَمَ نَفسَهُ .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير