وقد تقدم الكلام في أنه على أي وجه لا يصح الاستعانة بهم.
ونبه بالاستدلال بكلامهم على فساد اعتقادهم، وأن ذلك لا يخفى
منهم، كقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، وعلى نحوه قال
الشاعر:
ولا حن بالبغضاء والنظرِ الشزر
ثم بيّن أن مالا يبدو منهم أكثر، وأخبر بقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ)
أنه أظهر ما يمكنهم الاستدلال به على معاداتهم.
قوله تعالى: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩).
العضُّ معروف، ومنه رجل عف: شديد الخصومة، كقولهم:.
أزوم، وفلان يازم المأزم ونيّب على كذا، والعضُّ: علف الأمهار
مما له مضغ شديد كالنوى والقت اليابس. والأنامل واحدتها
أُنملة، ولم يأت أفعل مفرداً إلا قولهم: بلغ
أشده، وقد كثر ذلك في الجمع، نحو: أكلُب وأفلُس.
ويعبر عن التأسف بقرع السن وعض الأنامل، وذلك لا نشاهد من
حال المتأسف، قال الشاعر:
عضضت أناملي وقرعت سني
أكلت يدي لما جنته تندما
والغيظ هو الغضب والغم، فإن الغضب يقال فيما معه القدرة.
على الانتقام، والغمّ فيما ليس معه قدرة الانتقام، والغيظ فيما
ليس معه تمام القدرة على الانتقام، ولذلك يُستعمل في صفات
الله الغضب دون الغيظ، والكتاب كله يعنى الكتب المنزلة.
فوضع موضع الجمع، إما لكونه للجنس كقولك: كَثُرَ الدرهم
في أيدي الناس، أو لكونه في الأصل مصدرا.
ولفظ الإِفراد أولى في هذا الموضع، لأنه يتضمن أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ويتضمن أنهم يؤمنون بتفاصيل كل كتاب.
بخلاف من قال فيهم: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ).
وقوله: (أُولَاءِ) قيل: معناه الذين، وتحبونهم صلته،
وقيل: معناه هؤلاء، وفيه وجهان: الأول: أن يكون كقولك
ها أنا ذا، وها أنتم هؤلاء، فيكون هؤلاء خبر الابتداء.
و (تحبونهم) في موضع الحال، وهم راجع إلى ما تقدم ذكره.
والثاني: أن يكون هؤلاء مبتدأ ثانيا، و (تحبونهم) خبره.
والجملة خبر للأول، كقولك: أنت زيد تحبه، ويكون هم راجعاً إلى
هؤلاء. ومحبتهم لهم: إرادة الإِسلام لهم، لأن ثمرة المحبة
النصيحة وإرادة الخير، وبين أنهم لا يحبون ذلك لكم، لأنهم لا
يريدون لكم الإِسلام الذي هو الخير المحض، ثم بيّن أنكم
تؤمنون بكتب الله، وهم لا يؤمنون ببعض الكتاب.
وقوله: (وَإِذَا لَقُوكُمْ) كقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا)،
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار