ثم قال تعالى - مسليًا للمسلمين(١) عما كان وقع في نفوسهم يوم أُحُد - : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قيل : معناه : كم من نبي قُتِل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، فإنه قال : وأما الذين قرؤوا : قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فإنهم قالوا : إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفي الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل.
قال : ومن قرأ قَاتَلَ فإنه اختار ذلك لأنه قال : لو قتلوا(٢) لم يكن لقوله : فَمَا وَهَنُوا وجه معروف ؛ لأنهم يستحيل أن يُوصَفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا.
ثم اختار قراءة من قرأ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ؛ لأن الله [ تعالى ] (٣) عاتب بهذه الآيات والتي(٤) قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح :" إن(٥) محمدا قد قتل ". فعذلهم الله على فرارهم وترْكِهم القتال فقال لهم : أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم ؟.
وقيل : وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير(٦).
وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولا آخر، [ فإنه ](٧) قال : أي وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون، أي : جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ .
فجعل قوله : مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ حالا وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله : فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ الآية، وكذلك حكاه الأموي في مغازيه، عن كتاب محمد بن إبراهيم، ولم يقل (٨) غيره.
وقرأ بعضهم : قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن
مسعود رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي : ألوف.
وقال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جُبَير، وعِكْرِمة، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، والرَّبِيع، وعطاء الخراساني : الربيون : الجموع الكثيرة.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر عن الحسن : رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي : علماء كثير، وعنه أيضًا : علماء صبر أبرار أتقياء.
وحكى ابن جرير، عن بعض نحاة البصرة : أن الربيين هم الذين يعبدون الرب، عز وجل، قال : ورد بعضهم عليه قال : لو كان كذلك لقيل رَبيون، بفتح الراء.
وقال ابن زيد :" الربيون : الأتباع، والرعية، والربابيون :(٩) الولاة.
فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا قال قتادة والربيع بن أنس : وَمَا ضَعُفُوا بقتل نبيهم وَمَا اسْتَكَانُوا يقول : فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، أنْ قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.
وقال ابن عباس وَمَا اسْتَكَانُوا تَخَشَّعوا. وقال السُّدِّي وابن زيد : وما ذلوا لعدوهم.
وقال محمد بن إسحاق، وقتادة والسدي : أي ما أصابهم ذلك حين قُتِل نبيهم. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
٢ في جـ: "لأنه لو قتلوا"، وفي ر: "فإنه قال لو قتلوا"..
٣ زيادة من و..
٤ في و: "الذي"..
٥ في ر: "بأن"..
٦ في و: "وقيل: وكم من نبي قتل معه ربيون كثير"..
٧ زيادة من جـ..
٨ في جـ، أ، و: "ولم يحك"..
٩ في جـ، ر: "الربانيون"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة