ثم صبرهم بما وقع لغيرهم قبلهم فقال :
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيا أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
قلت : كأَيِّن : أصله : أيْ، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى كم ، وأثبت التنوين نوناً على غير قياس، وقرأ ابن كثير، وكائن ، على وزن فاعل، ووجهه : أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار : كيَاءٍ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن، وهما لغتان، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت، فقال :
| كَأيّنْ أبَدْنَا مِنْ عَدوٍّ بعِزِّنا | وكَائِنْ أجَرْنا مِنْ ضَعيفٍ وخائِفِ |
يقول الحقّ جلّ جلاله : وكأين ؛ وكم من نبي قتل في المعركة ومعه جموع كثيرة، أو ربانيون علماء أتقياء، فلم يفشلوا ولم يضعفوا، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم، أو يقول : كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير، أي : ماتوا في الحرب فثبت الباقون، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم، ويترجح الأول بما صرَخَ به الصارخ يوم أحد : إن محمداً قد مات، فضرب لهم المثل بقوله : وكأين من نبي قُتل ، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبيّ قط في المحاربة.
أو : وكأين من نبيّ قاتل أي : جاهد معه ربِّيون كثير ، وبعدما قتل نبيهم أو جموعهم فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله أي : فما فتروا : ولم ينكسر جندهم ؛ لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، وما ضعفوا عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم، وما استكانوا أي : خضعوا لعدوهم، من السكون ؛ لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد، فالألف إشباع زائد، أي : فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له، والله يحب الصابرين فينصرهم ويعزهم ويُعظم قدرهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي