ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة و البلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، و فيه تمحيص لأهل الحق، فإن الشدائد محك الأخلاق، و فيه هدي و إرشاد و تسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز و الظفر في جميع أعمالهم.
و هنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر الجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق و سلوك طريق الإنصاف و العدل بين الناس فسنة الله هنا كسنته هناك.
و كأين : كلمة تفيد أن ما دخلت عليه كثير و الربيون : الجماعات الكثرة و احدهم ربي و هو الجماعة و الوهن : ضعف يلحق القلب و الضعف اختلال قوة الجسم و الاستكانة : الخضوع و الاستسلام للخصم ليفعل ما يريد و الصبر : احتمال الشدائد و معاناة المكاره و الإسراف في كل شيء : مجاوزة الحد فيه كما قال : وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ( الأعراف : ٣١ )
و في هذا شديد التوبيخ لأولئك المنهزمين الذين لم يستنوا بسنة الربانيين المجاهدين مع الرسل صلوات الله عليهم مع أنهم أجدر بذلك منهم إذ كانوا خير أمة أخرجت للناس فقال :
و كأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا و الله يحب الصابرين أي إن كثيرا من النبيين الذين خلوا قد قاتل معهم كثير ممن آمن بهم و اعتقد أنهم هداة و معلمون لا أرباب معبودون فما وهنوا لما أصاب بعضهم من جرح أو قتل حتى و لو كان المقتول نبيهم نفسه لأنهم يقاتلون في سبيل الله لا في سبيل نبيهم علما بأن النبي ما هو إلا مبلغ عن ربه و هاد لأمته وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ( الأنعام : ٤٨ ) و ما ضعفوا عن جهاد عدوهم و لا استكانوا و لا خضعوا له و لا ولوا الأدبار بل ثبتوا بعد قتل نبيهم كما ثبتوا معه في حال الحياة إذ هم على يقين من ربهم من أن الجهاد في سبيل الله التي يرضاها من تقرير العدل في الأرض و حماية الحق وما يتبع ذلك و يلزمه.
و الخلاصة : عليكم أن تعتبروا بحال أولئك الربيين و تصبروا كما صبروا فإن دين الله واحد و سنته في خلقه واحدة و من ثم طلب إليكم أن تعرفوا عاقبة من سبقكم من الأمم و تقيدوا بعمل الصادقين الصابرين منهم و تقولوا مثل قول أولئك الربيين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير