ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

أُعْطِيَ ثوابَها، ولَمْ يُحْرَمْ مِن الدنيا ما يُعطَاه مِنْ عَمَلِ الدنيا (١)، مِمَّا قُسِمَ له.
١٤٦ - قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ.
اجتمعوا (٢) على أنَّ معنى (كَأَيِّنْ): كم (٣)؛ وتأويلها: التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم. والكاف (٤) في (كَأَيِّنْ) كافُ التَّشْبِيه، دخلت على (أيٍّ)، التي هي الاستفهام-، كما دخلت على (ذا) مِن (كَذَا (٥)، و (أَنَّ) مِن (كَأَنَّ)، ولا معنى للتشبيه فيه، كما أنه لا معنى للتشبيه في (كَذَا)؛ لأنك تقول: (لي عليه كَذَا وكَذَا)؛ معناه: لي عليه عددٌ مَّا. فلا معنى للتشبيه. إلا أنها زيادةٌ لازمةٌ، لا يجوز حذفُها.
ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط، إلا في هذا الحرف خاصَّةً.
وكَثُرَ استعمالُ هذه الكلمة، فصارت كَكَلِمَةٍ واحدةٍ، موضوعة

(١) في "تفسير الطبري" مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.
(٢) في (ج): (أجمعوا). وكذا ورد في "تفسير الفخر الرازي" ٩/ ٢٧ حيث نقل هذا النص عن المؤلف.
(٣) هي (كم) الخبرية التي يُكنى بها عن معدود كثير، ولكنه مجهول الجنس والكمية. و (كأين تشترك مع (كم) -هنا- في إفادة التكثير للمعدود، وهو الغالب من استعمالها، وتستعمل في الأكثر مع (مِنْ)، ولا تأتي استفهامًا إلا في النادر، وهو رأي الجمهور، وأثبت وقوعها استفهامًا: ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك؛ كما أفاد ذلك ابن هشام. ويرى سيبويه أن معنى (كأين) معنى: (رُبَّ).
انظر: "كتاب سيبويه" ٢/ ١٧٠، و"تأويل مشكل القرآن" ٥١٩، و"الإيضاح العضدي" ١/ ١٤٣، و"المغني" لابن هشام ٢٤٦، و"النحو الوافي" ٤/ ٥٧٧ - ٥٨٠.
(٤) من هنا إلى نهاية: (.. لدن غدوة): نقل معناه عن "الحجة"، للفارسي ٣/ ٨٠ - ٨٢، مع إضافات أخرى لم أقف على مصادرها.
(٥) (كذا) من كنايات العدد المبهمة التي يكنى بها عن معدود؛ سواء كان كثيرًا أو قليلًا.

صفحة رقم 46

للتكثير؛ كقول الشاعر:

كأيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ أخُوهُم فوقَهْمْ وهُمُ كِرَامُ (١)
أي: كَم مِن أُنَاسٍ.
وقرأ ابنُ كَثِير (٢): وَكَائِنْ (٣)، في وزن: (كاعِنْ).
ووجه هذه القِرَاءةِ: أن (٤) (كأيِّنْ) لَمَّا جُعِلَت كلمةً واحدةً، قُلِبت قَلْبَ الكلمة الواحدة؛ كما فُعلَ ذلك، فيما حكاه أحمد بن يحيى (٥) مِن قولهم: (لَعَمْري)، و (رَعَمْلِي)، فصارت بالقَلْبِ (كَيَّإن). فَحُذِفت (٦) الياءُ الثانيةُ تخفيفًا؛ كما حُذِفَت مِن (مَيْت) و (هَيْن) و (لَيْن) (٧)، فصارت: (كَيْإنْ) (٨) بعد
(١) للكميت بن زيد الأسدي في ديوانه، وأخبار أبي تمام، بلفظ (أخوهم منهم) والوساطة للجرجاني ص ٣٢٩.
وقد ورد في: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٦، و"حجة القراءات" ١٧٥، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ أ، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٥٤، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٢٨، و"البحر المحيط" ٣/ ٧٢، و"الدر المصون" ٣/ ٤٢٢. وروايته عند الثعلبي:
(وكأين من أناس لم يزالوا...................).
المَعَاشِر: جماعات الناس. والمَعْشَرُ: كلُّ جماعةٍ أمرُهُم واحد، نحو: مَعْشَر المسلمين، ومَعْشَر المشركين. انظر: "اللسان" ٤/ ٧٥٤ (عشر).
(٢) انظر: "السبعة" ٢١٦، و"الحجة" للفارسي ٣/ ٨٠، و"الكشف" ١/ ٣٥٧.
(٣) (أ)، (ب)، (ج): (وكاين). والمُثْبَت هو الموافق للقراءة.
(٤) (أن): ساقطة من (ج).
(٥) هو ثَعْلب. وقوله في: "الحجة"، للفارسي ٣/ ٨١، و"المسائل المشكلة" له ٣٩٤، و"سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٠٨.
(٦) من قوله: (فحذفت..) إلى (.. فصارت كَيْإن): ساقط من (ج).
(٧) الأصل فيها: (مَيِّت، وهَيِّن، ولَيِّن). انظر: "المنصف" ٢/ ١٥.
(٨) في (أ)، (ب): (كَيْأن). والمثبت من: "الحجة" ٣/ ٨١، و"سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٠٧، و"المحتسب" ١/ ١٧١. ورسِمَت الكلمةُ فيها: (كَيْءٍ).

صفحة رقم 47

الحذف، ثم أبْدِلت من الياء الألف؛ كما أبدلت في (طَائِيٍّ) (١)، وكما أبدلت في (آيَةٍ) عند سيبويه (٢)، وكانت (أَيَّةً) (٣)، وقد حُذِفَت الياءُ مِن (أَيٍّ) في قول الفرزدق:

تَنَظَّرْتُ نَضرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُمَا (٤) عَلَيَّ مِنَ الغَيثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ (٥)
(١) في (أ)، (ب)، (ج): (طاي). والمثبت من المصادر السابقة، و"المسائل المشكلة" ٣٩٤.
والأصل في كلمة (طائي): (طَيِّئيّ)، ثم حذفوا الياء المتحركة من الياء المشددة الأولى، فصارت: (طَيْئيّ)، ثم قلبوا الياءَ الساكنةَ ألِفًا، فصارت (طائي). انظر: "الدر المصون" ٣/ ٤٢٣، و"روح المعاني" ٤/ ٢٧، ويرى مَكيُّ بن أبي طالب أنَّ أصل (طائي): (طيِّيّ) -بياءين مشددتين-؛ لأنه ينسب إلى (طَيّ)، لكن أبدلوا من الياء الأولى الساكنةِ ألِفًا، فوقعت الياء الثانية بعد ألف زائدة، فأبدلوا منها همزة.). "الكشف"١/ ٣٥٧. وانظر: "سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٣، ٣٠٧، ٢/ ٦٦٩.
(٢) انظر: "الكتاب" له ٤/ ٣٩٨، و"الحجة" للفارسي ١/ ٨٥، و"سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٣، ٢/ ٦٦٩، و"الكشف" ١/ ٣٥٧.
(٣) في (ب): (أبيه).
(٤) في (ج): (الهما).
(٥) في (ب): (مواطر). والبيت في: ديوانه: ٢٤٦. وقد ورد منسوبًا له في: "الحجة" للفارسي ١/ ٩٢، ٣/ ٨١، و"المحتسب"١/ ٤١، ١٠٨، ٢/ ١٥٢، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٥٥، و"اللسان" ٢/ ١٠٦٨ (حير). وقد ورد في: "اللسان" (تنظرت نَسْرا..).
وقوله: (نصرا) يعني: نَصْرَ بن سَيَّار، الذي قال القصيدة في مدحه.
والسِّمَاكان: نجمان نَيِّران، أحدهما: السماك الرامح، والآخر: السماك الأعزل. و (الرامح) لا نَوْء له، وهو في جهة الشمال. و (الأعزل): من منازل القمر، وهو من كواكب الأنوار، وجهتة الجنوب. انظر: (سمك) في: "التهذيب" ٢/ ١٧٥٩، و"اللسان" ٤/ ٢٠٩٩.
والشاهد فيه: تخفيفه لـ (أيِّهما)؛ بأن حذف الياءَ الثانِية.

صفحة رقم 48

فَلَمَّا أُبْدِلَت الألفُ مِن الياء، صارت: (كَائِنْ)، على وزن: (كاعِنْ). وأكثر ما جاء في الشعر، على هذه اللغة.
قال جرير:

وكايِنْ في الأَبَاطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرَانِي لَوْ أُصِيبَ (١) هو المُصَابَا (٢)
(١) هكذا جاءت في كل (أ)، (ب)، (ج): (أصيبَ). وهي خلاف ما جاء في كل المصادر التي أوردت البيت. وقد أثْبَتها كذلك؛ لاتفاق النسخ عليها، ولأني وجدت ابن الحاجب أوردها كذلك. انظر: "أمَالِيه" ٢/ ٦٦٢.
وجاء في جميع نسخ تفسير (الوسيط) للمؤلف: (لو أصِيب)، ولكن المحقق جعلها (لو أصِبْتُ)، وقال: (في جميع النسخ: (لو أصيب) وما أَثبته هو "الصحيح". "الوسيط" (تحقيق: بالطيور) ٣٤٦.
(٢) البيت في "ديوانه" ٢١. وقد ورد منسوبًا له في أكثر المصادر التالية: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٥، و"الإيضاح العضدي"، للفارسي ١/ ١٤٣، و"شرح الأبيات المشكلة" له ٢٤٤، و"الحجة" له ٣/ ٨٠، و"حجة القراءات" ١٧٤، و"أمالي ابن الشجري" ١/ ١٠٦، و"غرائب التفسير" للكرماني ١/ ٢٧٢، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٥٢، و"شرح المفصل" ٣/ ١١٠، ٤/ ١٣٥، و"أمالي ابن الحاجب" ٢/ ٦٦٢، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٢٨، و"المغني" ٦٤٣، و"منهج السالك" ٤/ ٨٧، و"همع الهوامع" ١/ ٦٨، ٢٥٦، و"شرح شواهد المغني" ٨٧٥، و"الدرر اللوامع" ١/ ٤٦، ٢١٣، ٢/ ٩٢، و"خزانة الأدب" ٥/ ٣٩٧.
ورد البيت في جميع المصادر السابقة: (بالأباطح..). وورد في الديوان وجميع المصادر السابقة -عدا أمالي ابن الحاجب-: (.. يراني لو أصِبْتُ هو المصابا). وأشار في: "خزانة الأدب" ٥/ ٤٠١ إلى أن الأخفش رواه: (وكم في الأباطح..)، وليس فيه موضع الشاهد.
الأباطح، جمع: أبطح، وهو: مَسِيل واسعٌ فيه دقاق الحصى. ويجمع -كذلك- على: (بِطَاح)، و (بَطَائِح). انظر: "القاموس" ص ٢١٣ (بطح).
ومعنى (يراني لو أصيبَ هو المصابا) -على الرواية التي أوردها المؤلف-: يراني أننى المصاب فيما أصِيب هو. -والله أعلم-.

صفحة رقم 49

وأنْشَدَ المُفَضّل (١):

وكائِنْ (٢) تَرَى (٣) في الحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ وغَيْرَان يَدْعُو ويلَهُ مِنْ حِذَارِيَا (٤)
فإنْ وقفت على هذه الكلمة؛ فَلَكَ في الوَقْفِ على قِرَاءةِ ابن كثير، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ تحذف التنوين الدَّاخِلَ الكلمة مع الجرِّ، فيقول (٥): (كاءْ). فَتُسَكِّنْ (٦) الهمزةَ المجرورةَ للوقف.
الثاني: أن يقول: (كائِي) (٧)؛ على لغة من يقول: (مَرَرْتُ بِزَيْدِيْ)، في الوقف، فَيُبْدِل (٨) مِنَ التَّنْوِين الياءَ.
(١) قوله: (وأنشد..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. حذاريا): ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ أ. ويبدو أن المؤلف نقله عنه.
(٢) في (أ)، (ب)، (ج): (وكاين).
(٣) في (ب): (يرى). وفي (ج): (نرى).
(٤) لم أقف على قائله. وقد ورد في المصدر السابق، وأورد شطره الأول الفخرُ الرازي في "تفسيره" ٩/ ٢٧. والحِذار: المحاذرة، والتحرز، والتأهب. انظر: "اللسان" ٢/ ٨٠٩ (حذر).
(٥) هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): مهملة من النقط. وقد تكون على تقدير: فيقول الواقف، أو القارئ.
(٦) في (ب): (كائنتسكن). وفي (ج): (كافتسكن).
(٧) (أ)، (ب)، (ج): (كايَ). وما أثبَتُّه من "الحجة"، للفارسي ٣/ ٨٢، وهو الصواب؛ لأن الإبدال من التنوين، وليس من الهمز.
(٨) في (ج): (فتبدل).

صفحة رقم 50

الوجه الثالث: أنْ تَقِفَ على التنوين، وتترك الحركة (١)؛ فتقول: (كَائِنْ) (٢)؛ وذلك أنَّ التنوين -بالقَلْبِ الذي حدث في هذه الكلمة-، صارت بمنزلة النون التي من نَفْسِ الكلمة [فَتُقِرُّهُ نُونًا في الوَقْفِ] (٣)، بمنزلة [ما هو من نفس الكلمة؛ كما أنهم جعلوا ما هو من نفس الكلمة] (٤)، [التنوينَ] (٥) الزائدَ (٦)، في قول من قال: (لَدُنْ غُدْوَةً) (٧).
فأما الوقف في القراءة (٨) الأولى، فتقف على الياء، وتترك التنوين، ولا

(١) في (ب): أن تترك الحركة، وتقف على التنوين.
(٢) في (ب)، (ج): (كاين).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها ليتضح الكلام. انظر: "الحجة" ٣/ ٨٢.
(٦) في (ج): (الزائدة).
(٧) لَدُنْ: ظرف زمان ومكان، على حسب إضافتها، وهي مبنية على السكون، وتعني: (عند)، وهي تلازم الإضافة؛ إما إلى الاسم، أو الضمير. ويقال: (لُدْن، ولَدْن، ولَدِن، ولَدُ، ولَدَى). أما (لَدُنْ غُدْوَة)، فقال الأزهري عنها: (وَرَوَى أبو عمرو عن الإمامين: المبرد، وثعلب، قالا: العرب تقول: (لَدُنْ غُدوةً) و (لَدُنْ غُدْوةٌ)، و (لَدُنْ غُدْوَةٍ). قالا: فمن رَفَع؛ أراد: لدن كانت غُدْوةٌ [أي: (كان) -هنا- التَّامَّة. ومَن نَصَب؛ أراد: لدن كان الوقت غُدْوَةً. ومن خفض؛ أراد: مِن عِنْد غُدْوةٍ). "التهذيب" ٣/ ٢٦٣٦ (غدا)، وانظر: "شرح المفصل" ٢/ ١٢٧، و"اللسان" ٧/ ٤٠٢٢ (لدن)، و"معجم الشوارد النحوية" ٥١١ - ٥١٢.
والغُدْوَةُ: البُكْرَةُ ما بين صلاة الفجر، وطلوع الشمس. فإذا كانت مِن يَومٍ بعينه، فهي عَلَمٌ للوقت، غير مَصْروفَةٍ، فلا يدخلها التَنْوِينُ؛ لأنها مَعْرِفَة، أما إذا كانت نَكِرَةً، فإنها تُنَوَّنُ. انظر. "اللسان" ١٥/ ١١٦.
(٨) في (ب)، (ج): (القراة).

صفحة رقم 51

تقف على النون؛ لأنه لم يُقْلَبْ، كما ذكرنا من القَلْبِ في قراءة ابن كثير (١).
وقوله تعالى: قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. قُتِلَ، و قَاتَلَ (٢). فمن قرأ: قُتِلَ (٣)، احتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون القَتْلُ مُسْنَدًا إلى نَبِيٍّ. [وقوله: مَعَهُ رِبِّيُّونَ]، (٤) صِفَة لـ نَبِيٍّ. و (الرِّبِّيُّون) -على هذا- مرتَفِعٌ بالظَّرْفِ (٥).
والثاني: أنْ يُسْنَدَ القَتْلُ إلى قوله: رِبِّيُّونَ. ويكون معنى قوله: فَمَا وَهَنُوا أي: مَا وَهَنَ باقِيهم بَعْدُ، بِمَنْ (٦) قُتِلَ منهم في سبيل الله. فَحُذِفَ المُضَافُ، وأقُيِمَ المضافُ إليه مقامه؛ والمعنى: ما وَهَنَ مَنْ بَقِيَ

(١) انظر: الكلام حول (كائن) في: "كتاب سيبويه" ٣/ ١٥١، ٢/ ١٧٠ - ١٧١، و"الحجة" للفارسي ٣/ ٨٠ - ٨٢، و"المسائل المشكلة" ٣٩٣ - ٣٩٤، و"سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٠٦ - ٣٠٨، و"المحتسب" ١/ ١٧٠ - ١٧٣، و"الكشف" لمكي ١/ ٣٥٧، ٣٥٨، و"مشكل إعراب القرآن" له ١/ ١٧٥.
(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع -من السبعة-، ويعقوب: قُتِلَ. وقرأ باقي القراء: قَاتَلَ.
انظر: "السبعة" ٢١٧، و"الحجة"، للفارسي ٣/ ٨٢، و"النشر" ٢/ ٢٤٢، و"إتحاف فضلاء البشر" ص ١٨٠.
(٣) من قوله: (فمن قرأ..) إلى (.. وتضمر للمبتدأ خبرا): نقله -بتصرف واختصار- عن "الحجة"، للفارسي ٣/ ٨٣
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٥) ويكون الضمير الذي في مَعَهُ يعود لـ نَبِيٍّ. ويجوز أن يكون قُتِلَ في محل جَرٍّ، صِفَةً لـ نَبِيٍّ، و مَعَهُ رَبِّيُّونَ. صِفَةً ثانية. أو يكون مَعَهُ رَبِّيُّونَ في حالة إسناد القتل إلى نَبِيٍّ -: حالًا مِن الضَمِير الذيَ في قُتِلَ. انظر: "الحجة" ٣/ ٨٣، و"الدر المصون" ٣/ ٤٢٧.
(٦) في "الحجة" بعْدَ مَنْ.

صفحة رقم 52

منهم لِقَتْلِ (١) مَن قُتِلَ مِنَ الرِّبَيِّينَ، لأن مَنْ قُتِلُوا لا يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ (ما وَهَنُوا).
وحُجّة هذه القراءة: أنَّ هذا الكلامَ، اقتصاصُ ما جرى عليه سَيْرُ (٢) أُمَمِ الأنبياء -عليهم السلام- قبلهم؛ لِيَتَأَسَّوا بهم. وقد قال: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤].
ومَنْ قَرَأَ: قَاتَلَ، جاز فيه الوجهان اللذان ذكرنا في قُتِلَ، مِن إسناد القِتَالِ إلى نَّبيٍّ، أو إلى الرِّبِّيِّينَ.
وحُجَّةُ هذه القراءة: أنَّ المُراد بهذه الآية مدح الطائفة الذين مع النَّبِيِّ، بالقتال والثَّبَاتِ على ما كان عليه نَبِيُّهُمْ. والقتال أَلْيَقُ بهذا المعنى مِنَ القَتْلِ، فَحَصلَ مِن هذا أنَّ قوله: وَكَأَيِّنْ، موضع الكاف الجَارَّةِ مع المجرور، رَفْعٌ بالابتداء، كما أنَّ موضع (لَهُ كَذَا وَكَذَا)، رَفْعٌ. وخَبَرُهُ: قُتِلَ؛ إذا أسندت القَتْلَ إلى نَبِيٍّ. وإذا لم يُسنَدْ القَتلُ إليه، كان قولُه: قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ: صِفَةً لـ نَبِيٍّ، وتُضمِرُ للمبتدإ خَبَرًا؛ بتقدير: (كَأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ كثيرٌ قبلكم أو مضى). وما أشبهه من التقدير.
وهذا الذي ذكرنا في هذه الآية: قولُ الفَرَّاء (٣)، والزجَّاج (٤)، وأبي علي (٥)، وجميع مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ في النحو (٦).

(١) في (ج): (بقتل).
(٢) في "الحجة"، ضُبِطت: سِيَرُ.
(٣) في "معاني القرآن" له ١/ ٢٣٧.
(٤) في "معاني القرآن" له / ٤٧٦.
(٥) في "الحجة للقراء السبعة" ٣/ ٨٣ - ٨٤
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١١٧، و"إيضاح الوقف والابتداء" ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٧،=

صفحة رقم 53

وقوله تعالى: رِبِّيُّونَ.
قال الفَرّاء (١): الرِّبِّيُّون: الأُلُوف. وهو قول ابن مسعود (٢)، والضحاك (٣)، والكلبي (٤).
وقال الزّجاج (٥): هم الجماعة الكثيرة.
أخبرنا العَرُوضي (٦)، عن الأزهري، عن المنذري، عن أبي طالب، قال (٧): الرِّبِّيُّونَ: الجماعات الكثيرة. الواحد: (رِبِّيٌّ).

= وكتاب "القطع والائتناف" ٢٣٦ - ٢٣٧، و"حجة القراءات" ١٧٥ - ١٧٦، و"التبيان"، للعكبري ص ٢١٢ - ٢١٣.
(١) في "معاني القرآن"، له ١/ ٢٣٧.
(٢) قوله في "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٣٤، و"تفسير الطبري" ٤/ ١١٨، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٠، و"معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤٩٠، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ب، و"تفسير البغوي" ٢/ ١١٦، و"زاد المسير" ١/ ٤٧٢، وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ١٤٦ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) قوله في "تفسير الطبري"٤/ ١١٩ونصه عنده: (جموع كثيرة، قتل نبيهم). وفي "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ ب، ونصه عند: (الرِّبِّيَّة الواحدة: ألف)، وكذا في: "تفسير البغوي" ٢/ ١١٦.
وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ١٤٦ ونسب إخراجه إلى سعيد بن منصور، ولفظه: (الرِّبَّة الواحدة: ألف).
(٤) قوله، في: "بحر العلوم" ١/ ٣٠٦، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ ب، و"تفسير البغوي" ٢/ ١١٦، ونصه: (الرِّبِّيَّة الواحدة: عشرة آلاف)
(٥) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٧٦، وأوره بلفظ: (قيل:.. إنهم الجماعات الكثيرة) واستحسنه.
(٦) هو: أحمد بن محمد، أبو الفضل. تقدمت ترجمته.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٣٦ - ١٣٣٧ (ربّ)

صفحة رقم 54

وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والرَّبِيع (٤)، والسُّدِّي (٥).
[و] (٦) قال ابن قتيبة (٧) وأصله مِن (الرِّبَّةِ)، وهي: الجَمَاعة، يقال (٨): (رِبِّيّ)؛ كأنه نُسِبَ (٩) إلى (الرِّبَّةِ) (١٠)، ثم يُجمَع (رِبِّيّ) بالواو (١١).
وقال الأخفش (١٢): الرِّبَيُّونَ: الذين (١٣) يعبدون الرَّبَّ، واحِدُهم: (رِبِّيُّ).

(١) قوله في: "تفسير الطبري" ٤/ ١١٧ - ١١٨، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٠، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ١٤٦ - ١٤٧ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.
وفي رواية أخرى عنه فَسرها بـ (علماء كثير). انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١١٧.
(٢) قوله، في: "تفسير الطبري" ٤/ ١١٨، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٠، و"معاني القرآن"، للنحاس: ٤٩٠، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ ب، و"النكت والعيون" ١/ ٤٢٨، و"زاد المسير" ١/ ٤٧٢.
(٣) قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٣٤، و"تفسير الطبري" ٤/ ١١٨، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٠، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ ب، و"زاد المسير" ١/ ٤٧٢.
(٤) قوله، في: "تفسير الطبري" ٤/ ١١٨، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٩ ب، و"زاد المسير" ١/ ٤٧٢.
(٥) قوله، في: المصادر السابقة، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٠.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٧) في "تفسير غريب القرآن" له ص ١٠٦.
(٨) في "تفسير الغريب" يقال للجمع.
(٩) في (ج): (ينسب).
(١٠) (الربة): مطموس في (ج).
(١١) في "تفسير غريب القرآن" فيُقال: رِبَّيُّون.
(١٢) في "معاني القرآن"، له ١/ ٢١٧.
(١٣) (أ)، (ب): (الذي). والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".

صفحة رقم 55

قال أحمد بن يحيى (١): ينبغي أن يُفتَحَ [الرَّاءُ] (٢) على قول الأخفش، فيقال: (رَبِّي) (٣)؛ لِيَكونَ منسوبًا إلى الرَّبِّ.
فقال مَنْ نَصَرَ الأخفشَ (٤): العرب تنسب الشيءَ إلى الشيء، فتغيِّر حَرَكَتَهُ؛ كما قالوا: (بِصْرِي)، في النسبة إلى البَصْرَةِ.
وقوله تعالى: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا جَمَعَ بين الوَهْنِ والضَّعْفِ؛ لأن (الوَهْنَ): انكسارُ الحَدِّ بالخوف (٥).
و (الضَّعْفُ): نُقْصانِ القوة. أي: لم يَهِنْوا بالخوف، ولا ضَعُفُوا بنُقْصان القُوَّة. هذا معنى قول أبي إسحاق (٦): ما جَبُنُوا عن قِتَال عَدُوِّهم،

(١) قوله، في: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٣٦ (ربّ)، و"اللسان" ٣/ ١٥٤٨ - ١٥٤٩ (ربب).
(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (إلّا). وهي تخل بالمعنى، وأراها تصحيفًا من النساخ. والمثبت من: المصادر السابقة.
(٣) في (أ): رِبِّي -بكسر الراء-. وفي (ب)، (ج): مهمل من النقط. وما أثبَتُّهُ -بفتح الراء- هو الصواب.
(٤) هو الثعلبي، في: "تفسيره" ٣/ ١٢٩ ب.
(٥) في (ج): (بالحذف).
لم أرَ في مصادر اللغة والتفسير التي رجعت إليها، مَن فسَّر (الوَهْن) بهذا المعنى الدقيق، وإنما فَسَّروه جميعًا بـ (الضَّعْف)، وجعلوهما مترادفين، وهما من عطف الشيء على نفسه. ومنهم من قال بأنه الضعف في الخَلْق والخُلُق، ومنهم من فَسَّره بالضعف في العمل والأمر.
انظر: "غريب القرآن"، لابن اليزيدي ٤٤، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٠٦، و"غريب الحديث" للحربي ١٠٥٦، وانظر مادة (وهن) في: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٦٦، و"الصحاح" ٢٢١٥، و"المقاييس" ٦/ ١٤٩، و"اللسان" ٨/ ٤٩٣٥، و"تخليص الشواهد" لابن هشام ٤٥٢، و"عمدة الحفاظ" ٦٤٥.
(٦) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٧٦.

صفحة رقم 56

وَمَا فَتَرُوا (١)
وقوله تعالى: وَمَا اسْتَكَانُوا الاسْتِكَانَةُ: الخُضُوعُ. وهو أنْ يَسْكنُ لصاحِبِهِ، لِيَفْعَلَ (٢) بِهِ ما يريد؛ أي: وما خضعوا لِعَدُوِّهم (٣).
قال المفسرون: هذه الآية احتجاجٌ على المنهزِمِينَ يومَ أُحُد، وذلك أنَّ صائِحًا صاحَ: قد قُتِلَ مُحمَد! فاضْطَرَبَ أمرُ المسلمينَ؛ كما ذكرنا القصة في قوله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران: ١٤٤]، الآية.
واختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله هذه الآية، يعاتبهم على ما كان مِن فِعْلِهم، وَيحَضُّهم على الجهاد في سبيل الله؛ لِسُلُوك طريقة العلماء مِن صَحَابَةِ الأنبياء، لِيَقْتَدِيَ الخَلَفُ بالسَّلَفِ في الصَّبْرِ، حتى يأتي اللهُ عز وجل

(١) نص عبارة الزجاج: (فَمَا وَهَنُوا: فما فَتَروا، وَمَا ضَعُفُواْ: وما جبنوا عن قتال عدوهم).
أفهم من عبارة المؤلف -والله أعلم- أن (الوَهْنَ): أقرب إلى أن يكون نقصان القوة المعنوية، ومنها خَوَر العزيمة، ودبيب اليأس إلى النفس، وحُلُول الخوف. وأما (الضعف)؛ فهو: نقصان القوى البدنية، والفشل في المقاومة. ومن الطبيعي أنه إذا عمل الخوفُ عَمَلَه في النفس، خارت العزيمةُ، وضعفت القُوَى البدنيةُ، وقلّ إثرَها اندفاعُ الإنسان، وكُسِرت حدَّتُه، فيتضعضع حينها، ويذل، ويستكين. فالوهْنُ يكون أوَّلًا ثم الضعف، ثم الاستكانة.
انظر حول هذا المعنى: "التحرير والتنوير" لابن عاشور ٤/ ١١٨، و"تفسير الفخر الرازي" ٩/ ٢٨.
(٢) من قوله: (ليفعل..) إلى نهاية قوله: (.. وقال في موضع آخر: السلطان في اللغة: الحجة): سقط من: (ج) من هذا الموضع من المخطوط، ثم عاد الناسخ وكتبه بعد تفسير قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ آية: ١٥٢، بحيث تداخل مع تفسير هذه الآية.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٦.

صفحة رقم 57

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية