في سبيلنا لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ١ حتما، وثم يتم لكم جزاؤنا على استشهادكم وموتكم في سبيلنا، ولنعم ما تجزون به في جوارنا الكريم.
هداية الآيات:
١- حرمة التشبه بالكفار ظاهراً وباطناً.
٢- الندم يولد الحسران والحسرة غم وكرب عظيمان، والمؤمن يدفع ذلك بذكره القضاء والقدر فلا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه من حطام الدنيا.
٣- موتة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)
شرح الكلمات:
لِنْتَ لَهُمْ : كنت رفيقاً بهم، تعاملهم بالرفق واللطف.
فَظّاً : خشناً في معاملتك شرساً في اختلافك وحاشاه٢ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لانْفَضُّوا : تفرقوا وذهبوا تاركينك وشأنك.
فَاعْفُ عَنْهُمْ : يريد إن زلوا أو أساءوا.
وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ : اطلب مشورتهم في الأمر ذي الأهمية؛ كمسائل الحرب والسلم.
٢ ومن صفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التوراة كما في رواية البخاري أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق. والغليظ القلب: من قلت شفقته وعزت رحمته، كما قال الشاعر:
يبكى علينا ولا نبكي على أحد...
لنحن أغلظ أكباداً من الإبل
معنى الآيتين:
ما زال السياق في الآداب والنتائج المترتبة على غزوة أحد، ففي هذه الآية (١١٩) يخبر تعالى عما وهب رسوله من الكمال الخلقي الذي هو قوام الأمر فيقول: فَبِمَا١ رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ أي: فبرحمة من عندنا رحمناهم بها لنت٢ لهم، وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً أي: قاسياً جافاً جافياً قاسي القلب غليظة لانْفَضُّوا مِنْ٣ حَوْلِكَ أي: تفرقوا عنك، وحرموا بذلك سعادة الدارين. وبناء على هذا فاعف٤ عن مسيئهم، واستغفر لمذنبهم، وشاور ذي الرأي منهم، وإذا بدا لك رأي راجح المصلحة فاعزم على تنفيذه متوكلاً على ربك فإنه يحب المتوكلين، والتوكل: الإقدام على فعل ما أمر الله تعالى به أو أذن فيه بعد إحضار الأسباب الضرورية له. وعدم التفكير فيما يترتب عليه بل يفوض أمر النتائج إليه تعالى.
هذا ما تضمنته الآية الأولى، أما الآية الثانية (١٦٠) فقد تضمنت حقيقة كبرى يجب العلم بها والعمل دائماً بمقتضاها، وهي أن النصر بيد الله، والخذلان كذلك فلا يطلب نصر إلا منه تعالى، ولا يرهب خذلان إلا منه عز وجل، وطلب نصره هو إنفاذ أمره بعد إعداد الأسباب اللازمة له، وتحاشي خذلانه تعالى يكون بطاعته والتوكل عليه هذا ما دل عليه قوله تعالى في هذه الآية: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- كمال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخلقي.
٢- فضل الصحابة رضوان الله عليهم وكرامتهم على ربهم سحانه وتعالى.
٣- تقرير مبدأ المشورة بين٥ الحاكم وأهل الحل والعقد في الأمة.
٢ وذلك لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعنف الذين تولوا يوم أحد بل رفق بهم. فأخبر تعالى أن ذلك كان بتوفيق منه عز وجل لرسوله.
٣ قيل: يمنعهم الحياء والاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم، وهذا شأن أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤ هذا الترتيب مقصود فأولاً: يعفو عنهم لما كان بينه وبينهم. وثانياً: يتستغفر الله لهم لم كان بينهم وبين ربهم من تبعات. وبعد هذا الإعداد يصبحون أهلاً للمشورة فيشاورهم.
٥ الاستشارة مأخوذة من شرت الدابة، إذا علمت خبرها كجري ونحوه، ويقال للموضع الذي تركض فيه المشوار، قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام. من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. وقد قيل: ما ندم من استشار ومن أعجب برأيه ضل. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار ولا عال من اقتصد".
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري