الآية ١٥٩ وقوله تعالى : فبما رحمة من الله لنت لهم يحتمل هذا وجهين : يحتمل فبرحمة من الله عليك لنت لهم فيجب أن يكون الإنسان رحيما على ( خلق الله ) (١) على ما جاء في الخبر قال لأصحابه " لن تدخلوا الجنة حتى تراحموا " فقيل : كلنا نرحم يا رسول الله فقال : " ليس تراحم الرجل ولده أو أخاه ولكن تراحم بعضهم بعضا " ( بنحوه الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١٨٧ وعزاه للطبراني ) أو كلام نحو هذا، وما جاء : " من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا " ( الترمذي ١٩٢١ ) وما جاء : " من لم يرحم أهل الأرض لم يرحمه أهل السماء " ( المنذري في الترغيب ٣٣٣٤ ) كما قال الله تعالى : قل للذين آمنوا يغفرون للذين لا يرجون أيام الله الآية ( الجاثية ١٤ ) وقد أمر الله عباده أن يعامل بعضهم بعضا بالرحمة واللين إلا عند المعاندة والمكابرة فحينئذ أمر بالقتال كقوله لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون فقال : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ( طه ٤٤ ) وكان اللين من القول أنفذ في(٢) القلوب وأسرع إلى الإجابة وادعى إلى الطاعة من الخشن من القول وذلك ظاهر في الناس لذلك أمر الله عز وجل رسله(٣) باللين من المعاملة والرحمة على خلقه وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله : ولو كنت فظا في القول غليظ القلب لانفضوا من حولك أي لو كنت في الابتداء فظا غليظا لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك.
وقوله تعالى : فاعف عنهم بأذاهم إياك ولا تكافئهم واستغفر لهم / ٧٢- أ/ فيما بينهم وبين ربهم ويحتمل قوله : فاعف عنهم واستغفر لهم بما عصوك وألا تنتصر منهم. وكذلك أمر الله المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم وألا ينتصروا منهم بقوله فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ( البقرة ١٠٩ ) وكان أرجى آية للمؤمنين بقوله واستغفر لهم كما قال الله عز وجل : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون الآية ( الجاثية ١٤ ) وقوله أيضا واستغفر لذنبك ( غافر ٥٥ ) وللمؤمنين والمؤمنات لا جائز أن يأمر بالاستغفار لهم، ثم لا يفعل. وإذا فعل الإيجاب فدل أنه ما ذكرنا دعاء إبراهيم صلوات الله عليه ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ( إبراهيم ٤١ ) ودعاء نوح : رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ( نوح ٢٨ ) ولا يجوز أن يدعو هؤلاء الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ثم لا يجاب لهم.
وقوله تعالى : وشاورهم في الأمر أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمر ففيه ( وجهان اثنان :
أحدهما )(٤) : انه لا يجوز أن يأمره بالمشاورة في ما فيه النص وإنما يأمر بها في ما لا نص فيه ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد.
والثاني : لا يخلو أمره بالمشاورة إما لعظم قدرهم وعلو منزلتهم عند الله أو لفضل العقل ورجحان اللب. فكيف ما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم بهم، ولا جائز أن يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه صلى الله عليه وسلم ثم لا يعمل برأيهم. دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم. وقال بعضهم : إنما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم في أمر الحرب والقتال.
وعن الحسن رضي الله عنه لما أنزل الله تعالى قوله : وشاورهم في الأمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ورسوله غنيان عن مشاورتكم " ( البيهقي في الشعب ٧٥٤٢ ) ولكنه أن يكون سنة لأمته وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقرأ وشاورهم في بعض الأمور وهو يأتيه وحي السماء لانه أطيب لأنفس القوم وأن القوم إذا شاورهم : بعضهم بعضا فأرادوا بذلك وجه الله عزم الله لهم على أرشده وقيل : إن العرب في الجاهلية كانوا إذا ( رأوا سيدها )(٥) يقطع أمر دونهم لا يشاورهم في الأمر شق عليهم فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم في الأمر إذا أراد فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم.
في بعض الأخبار قيل : يا رسول اله : ما العزم(٦) قال : " أن تستشير ذا الرأي ثم تطيعه " ( البيهقي في الكبرى ١٠/١١٢ ) وكان يقال : ما هلك امرؤ عن مشورة ولا سعد بتور، قيل البتور الذي لا يستشير ويعمل برأيه.
وقوله تعالى(٧) ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة أي لا تتكلن إلى نفسك ولا تعتمدن على أحد ولكن اعتمد على الله، وكل الأمر إليه. وقيل : فإذا فرق ذلك الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك فإن كان في أمر الحرب على ما قيل فهو والله أعلم : لا تعجبن بالكثرة ولا ترين النصر به، ولكن اعتمد بالنصر على الله كقوله تعالى : إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن عنكم شيئا ( التوبة ٢٥ ) والله أعلم بما أراد بذلك وكقوله(٨) : وما النصر إلا من عند الله ( آل عمران ١٦٢ ).
٢ في الأصل و م: من.
٣ في الأصل و م: ارسلهم..
٤ في الأصل و م: وجوه ثلاثة أحدهما..
٥ في الأصل و م: أرادوا سيدها أن..
٦ من م، في الأصل الحزم..
٧ في م: عز وجل..
٨ الواو ساقطة من الأصل و م..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم