ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

فبما رحمة تقديم الجار والمجرور للحصر وما مزيدة للتأكيد ومزيد الدلالة على الحصر كائنة من الله عليك وعلى أمتك لنت لهم أي للمؤمنين ورفقت بهم واغتممت لأجلهم بعدما خالفوك بتوفيق الله تعالى وحسن إلهامه، ثم بيّن وجه كون ذلك اللين رحمة بقوله ولو كنت فظا سيء الخلق جافيا غليظ القلب قاسيا لانفضوا تفرقوا من حولك ولم يسكنوا إليك وحينئذ يتخلعوا عن رقبة الإسلام واستحقاق الجنة ويقل أجرك بقلة أتباعك فاعف عنهم فيما كان حقك واستغفر لهم في حقوق الله تعالى.
وشاورهم في الأمر أمر الحرب وغيره مما يتعلق بالمشاورة وليس فيه عندك علم من الله تعالى استظهارا برأيهم وتطيبا لنفوسهم وتمهيدا لسنة المشاورة للأمة، روى البغوي بسنده عن عائشة قالت : ما رأيت رجلا أكثر استشارا للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا عزمت على شيء بعد المشاورة فتوكل على الله أي فوّض أمرك إليه واعتمد عليه وكان هذا شأنه عليه الصلاة والسلام، ولذا قال بعد ما خرج للقتال يوم أحد :" لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " يعني بعد المشاورة اعتمد على الله تعالى لا على رأيك وآراء المتشاورين لأن بناء المشاورة استخراج ما عندهم من العلم بالأصلح بتلاحق الأفكار بناء على جري العادة ولا يعلم ما في الواقع من الغيب إلا الله تعالى، وقد يتخبط العقول في النظر وقد يفعل الله تعالى على خرق العادة فلا وجه للاعتماد على الآراء، والتوكل أن يلتجئ إلى الله خاصة ويطلب منه أن يجعل عاقبة سعيه خيرا ويحسن الظن به في ذلك، قيل : التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك، وهذا القول مستلزم للالتجاء ولا التجاء في المعصية، وقيل : معناه أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره، قلت : وتخصيص الالتجاء والطلب منه تعالى لا يتصور بدون هذه الأمور، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدخلون الجنة سبعون ألفا من أمتي بغير حساب، قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال " هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " (١) متفق عليه، وكذا روى البغوي عن عمران بن حصين. وعن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " (٢) رواه الترمذي وابن ماجه. فإن قيل الظاهر من حديث ابن عباس أن المتوكل ترك التشبث بالأسباب العادية كالاكتواء والاستراق، قلت : لا بل ترك الاعتماد على الأسباب ألا ترى أن الاستيشار من باب التشبث بالأسباب فالله سبحانه أمر الاستشارة ثم بترك الاعتماد عليه، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث وعلى ربهم يتوكلون ليس تفسيرا لقوله لا يكتوون ولا يسترقون فإن العطف يقتضي المغايرة، ولعل ذلك السبعون ألف لا يتشبثون بالأسباب غالبا، أو المراد ترك التشبث ببعض الأسباب المكروهة، كيف وتشبث الأسباب من لوازم هذه النشئة فإن الأكل والشرب من أسباب الحياة عادة والصلاة والصوم من أسباب دخول الجنة غالبا والواجب إتيانها إن الله يحب المتوكلين عليه وكونه محبوبا لله تعالى هو المقصد الأسنى، وأيضا التوكل على الله يفضي إلى أن ينصرهم الله ويهديهم إلى الصلاح قال الله تعالى : ومن يتوكل على الله فهو حسبه (٣) وقال في الحديث القدسي :" أنا عند ظن عبدي بي " (٤).

١ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب (٦٥٤١) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (٢١٨)..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: في التوكل على الله ٢٣٤٤ (٢٣٤٤) وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: التوكل واليقين (٤١٦٤)..
٣ سورة الطلاق، الآية: ٣..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قوله الله تعالى: ويحذركم الله نفسه (٧٤٠٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: الحض على التوبة والفرح بها (٢٦٧٥)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير