فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ١٦٠ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( آل عمران : ١٥٩-١٦٠ ).
تفسير المفردات : اللين في المعاملة الرفق و التلطف فيها و الفظ الخشن الشرس الأخلاق الجافي في المعاشرة في القول و الفعل و الغليظ القاسي الذي لا يتأثر قلبه من شيء و انفض القوم : تفرقوا كما قال : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا ( الجمعة : ١١ ). و المشاورة : من قولك شرت العسل إذا اجتنينها و استخرجتها من موضعها و المراد بالأمر سياسة الأمة في الحرب و السلم و الخوف إلى نحو ذلك من المصالح الدنيوية و التوكل : إظهار العجز و الاعتماد على غيرك و الاكتفاء به في فعل ما تحتاج إليه
المعنى الجملي : بعد أن رغب الله المؤمنين في الإقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان ما لهم من الفضل و عظيم الأثر و حسن العاقبة.
نهاهم عن متابعة الكفار ببيان سوى مغبتها في دينهم و دنياهم و الخطاب موجه إلى كل من سمع من المؤمنين مقالة أولئك القائلين من المنافقين- ارجعوا إلى إخوانكم و دينكم فإن الكفار لما أرجفوا أن النبي قد قتل دعا المنافقين بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر فنهاهم الله عن الالتفات إلى كلامهم.
المعنى الجملي : روى ابن جرير عن السدي قال : لما برز رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين و قال لهم : لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وأمر عليهم عبد الله بن جبير ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال : يا معشر أصحاب محمد و إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار و يعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجل الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النارفقام إليه علي بن أبي طالب فقال : والذي نفسي بيدي لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشف عورته فقال : أنشدك الله و الرحم يابن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال أصحاب علي له : مامنعك أن تجهز عليه ؟ قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشف عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام و المقداد بن الأسواد على المشركين فهزماهم و حمل النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد و هو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع.
ثم لما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحاب في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر.
فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم و قتلوا منهم نحو سبعين.
و نستخلص من هذه الرواية أمرين :
( ١ ) أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الرماة ألا يبرحوا مكانهم و أنه قال له لا نزا ل غالبين ما ثبتم مكانكم.
( ٢ ) أن الذي عصى أمره من الرماة عامتهم أما الذين بلغ الإيمان قرارة أنفسهم فقد ثبتوا.
وروى الو احدي عن محمد بن كعب قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصبوا بما أصيبوا يوم أحد _ قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله تعالى بالنصر ؟ فأنزل الله ولقد صدقكم الله وعده الآية.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه فيما سلف لعباده المؤمنين أن الهزيمة التي حلت بهم يوم أحد كانت بوسواس من الشيطان استزلهم به فزلوا –حذرهم هنا من مثل هذه الوسوسة التي أفسد بها الشيطان قلوب الكافرين.
المعنى الجملي : بعد أن أرشد سبحانه عباده المؤمنين في الآية المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم و معادهم و كان من جملة ذلك أن عفا عنهم –زاد في الفضل و الإحسان إليهم في هذه الآيات بأن مدح الرسول صلى الله عليه و سلم على عفوه عنهم و تركه التغليظ عليهم وقد نزلت هذه الآيات عقب وقعة أحد التي خالف فيها النبي صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه و كان من جراء ذلك ما كان من الفشل و ظهور المشركين عليهم حتى أصيب النبي صلى الله عليه و سلم مع من أصيب فصبر و تجلد ولان في معاملة أصحابه و خاطبهم بالرفق و لم يعاتبهم اقتداء بكتاب الله إذ أنزل في هذه الوقعة آيات كثيرة بين فيها ما كان من ضعف بعض المسلمين و عصيانهم و تقصيرهم حتى ذكر الظنون و الهواجس النفسية لكن مع العتب المقترن بذكر العفو و الوعد بالنصر و إعلاء الكلمة.
المعنى الجملي : بعد أن حكي سبحانه عن المنافقين أنهم نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الغلول و الخيانة ثم برأه منه و بين ما بعث لأجله – عاد هنا إلى كشف الشبهات التي عرضت للغزاة قبل الواقعة و بعدها ة بين خطأهم و ضلالهم في أقوالهم و أفعالهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه تثبيط المشركين للراغبين في الجهاد بتحذيرهم عواقبه و أنه مفض إلى القتل كما حدث يوم أحد و القتل بغيض إلى النفوس مكروه لها ثم أردفه بيان أن القتل إنما يحدث بقضاء الله و قدره كما يحدث الموت فمن كتب له أن يقتل لا يمكنه أن يبتعد من القتل و من لم يقدر له لا خوف عليه من الجهاد.
ذكر هنا ما يحبب الجهاد في سبيل الله فأبان أن المقتولين شهداء أحياء عند ريهم قد خصهم الله بالقرب منه و الكرامة لديه و أعطاهم أفضل أنواع الرزق و أوصلهم إلى مراتب الفرح و السرور.
أخرج الإمام أحمد في جماعة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا فقال الله تعالى :-أنا أبلغهم عنكم – فأنزل الله هؤلاء الآيات "
الإيضاح : فبما رحمة من الله لنت لهم أي إنه قد كان من أصحابك ما يستحق الملامة و التعنيف بمقتضى الطبيعة البشرية إذ صدروا عنك حين اشتداد الأهوال و شمروا للهزيمة و الحرب قائمة على قدم وساق و مع ذلك لنت لهم و عاملتهم بالحسنى بسبب الرحمة التي أنزلها الله على قلبك و خصك بها إذا أمدك بآداب القرآن العالية و حكمه السامية حتى هانت عليك المصايب و علمتك ما لها من المنافع و حسن العواقب.
و قد مدح الله نبيه بحسن الخلق في مواضع من كتابه فقال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( القلم : ٤ ) وقال : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَّحِيمٌ ( التوبة : ١٢٨ )وقال صلى الله عليه وسلم :" لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه و لا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام و خرقه "
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك أي و لو كنت خشنا جافيا في معاملتهم لتفرقوا عنك و نفروا منك و لم يسكنوا إليك و لم يتم أمرك من هدايتهم و إرشادهم إلى الصراط السوي.
ذاك أن المقصود من بعثة الرسل تبليغهم شرائع الله إلى الخلق و لا يتم ذلك إلا إذا مالت قلوبهم إليهم و سكنت نفوسهم لديهم و ذلك إنما يكون إذا كان الرسول رحيما كريما يتجاوز عن ذنب المسيء و يعفو عن زلاته و يخصه بوجوه البر و المكرمة و الشفقة.
وشاورهم في الأمر أي واسلك معهم سبيل المشورة التي اتبعتها في هذه الوقعة و دم عليها فإنهم و إن اخطؤوا الرأي فيها فإن في تربيتهم عليها دون الانقياد لرأي الرئيس و إن كان صوابا نفعا في مستأنف أمرهم و مستقبل حكومتهم ما حافظوا عليها.
فالجماعة أبعد عن الخطأ من الفرد في أكثر الحالات و ما ينشأ من الخطر على الأمة بتفويض أمرها إلى واحد مهما حصف رأيه أشد من الخطر الذي يترتب على رأي الجماعة.
و لما كانت الاستشارة سبيلا للنزاع و لا سيما إذا كثر المستشارون – أمر الله نبيه أن يقرر هذه السنة عملا فكان يستشير صاحبه بهدوء و سكينة و يصغي إلى كل قول و يرجح رأيا على رأي بما يرى فيه من المصلحة و الفائدة بقدر المستطاع.
و قد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالشورى في حياته فكان يستشير السواد الأعظم و يخصبها أهل الرأي و المكانة في الأمور التي يضر إفشاؤها.
فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش من مكة للحرب و لم يبرم الأمر حتى صرح المهاجرين و الأنصار بالموافقة واستشارهم يوم أحد كما علمت و هكذا كان يستشيرهم في كل مهم ما لم ينزل عليه فيه وحي فإنه إذ ذاك لا بد من نفاذه و لم يضع للنبي صلى الله عليه وسلم قواعد الشورى لأنها تختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية و بحسب الزمان و المكان و لأنه لو وضع لها قواعد لاتخذها المسلمون دينا و حاولوا العمل بها في كل زمان ومكان و من ثم قال الصحابة في اختيار أبي يكر خليفة رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا إذ أمره بالأماة في الصلاة حين مرضه أفلا نرضاه لدنيانا ؟.
و لكن الخلفاء فيما بعد لم يتبعوا هذه السنة و لا سيما زمن الدولة العباسية إذ كان للأعاجم سلطان كبير في ملكهم ثم جرى على ذلك سائر الملوك المسلمين فيما بعد و جاراهم على ذلك علماء الدين حتى ظن كثير من غير المسلمين أن السلطة في الإسلام استبدادية وأن الشورى اختيارية و لكن هذا بعيد من الصواب بعد أن صرح القرآن بالشورى و أمر نبيه بها و هو المعصوم عن الهوى.
و للشورى فوائد جمة منها :
( ١ ) إنها تبين مقادير العقول و الأفهام و مقدار الحب و الإخلاص للمصالح العامة.
( ٢ ) إن عقول الناس متفاوتة و أفكارهم مختلفة فربما ظهر لبعضهم من صالح الآراء ما لا يظهر لغيره و إن كان عظيما.
( ٣ ) إن الآراء فيها تقلب على وجوهها ويختار الرأي الصائب بينها.
( ٤ ) إنه يظهر فيها اجتماع القلوب على إنجاح المسعى الواحد واتفاق القلوب على ذلك مما يعين على حصول المطلوب و من ثم شرعت الاجتماعات في الصلوات و كانت صلاة الجماعة أفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة.
وعن الحسن رضي الله عنه : قد قال علم الله أن ما به إليهم حاجة و لكن أراد أن يستن به من بعده و عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " و عن أبي هريرة رضي الله عنه : ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا عزمت فتوكل على الله أي فإذا عقدت القلب على فعل شيء و إمضائه بعد المشاورة و مبادلة الرأي فيه فتوكل على الله و فوض الأمر إليه بعد أخذ الاهبة واستكمال العدة و مراعاة الأسباب التي جعلها الله وسيلة للوصول إلى المسببات كما ورد في الحديث " اعقلها و توكل ".
و لا تتكل على ما أوتيت من حول و قوة و ا على إحكام الرأي و أخذ العدة فذلك كله ليس بكاف في النجاح ما لم يقرن به معونة الله و توفقه لأن الموانع الخارجية و العوائق التي تحول دون الوصول إلى البغية لا يحيط بها إلا علام الغيوب فلا بد من الاتكال عليه و الاعتماد على حوله و قوته.
و في الآية إيماء إلى وجوب إمضاء العزيمة متى استكملت شروطها التي من أهمها المشورة.
وسر هذا نقض العزائم خور في النفس و ضعف في الأخلاق يجعل صاحبه غير موثوق به في قول و لا فعل و لا سيما إذا كان رئيس حكومة أو قائد جيش و من ثم لم يصغ النبي صلى الله عليه وسلم إلى مشورة من رجع عن رأيه الأول و هو الخروج إلى أحد حين لبس لأمته و خرج إذ رأى أن هذا شروع في العمل بعد أن أخذت الشورى حقها.
و بذلك علمهم أن لكل عمل ميقاتا محدودا وأن وقت المشورة متى انتهى جاء طور العمل وأن الرئيس إذا شرع في العمل تنفيذا للشورى لا يجوز أن ينفض عزيمته و يبطل عمله و لو كان يرى أن أهل الشورى أخطؤوا الرأي و التدبير كما حدث في مسألة أحد كما تقدم.
ولا يزال أهل السياسة و الحرب في البلاد ذات الحضارة و المدنية يجرون على هذه القاعدة و يجعلونها دستورا لأعمال أممهم و لا ينقضونها على أي حال حتى قال أحد كبار الساسة الإنجليز : إن السياسة متى قررت شيئا و شرعت فيه وجب إمضاؤه وامتنع نقضه و الرجوع عنه وإن كان خطأ.
إن الله يحب المتوكلين عليه الواثقين به فينصرهم و يرشدهم إلى ما هو خبر لهم كما تقتضيه المحبة.
و في الآية إرشاد للمكلفين و ترغيب لهم في التوكل على الله و الرجوع إليه و الإعراض عن كل ما سواه.
قال الرازي : دلت الآية على أنه ليس التوكل على الله أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال و إلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل عليه أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحكمة اه.
فالتوكل الصحيح إنما يكون مع الأخذ بالأسباب و بدونها يكون دعوى التوكل جهلا بالشرع و فسادا في العقل قال تعالى : فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ( الملك : ١٥ ) وقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ( النساء : ٧١ ) و قال : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ( الأنفال : ٦٠ ) وقال : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ( البقرة : ١٩٧ ) وقال لنبيه لوط : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ ( هود : ٨١ ) وقال لموسى عليه السلام فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا ( الدخان : ٢٣ ) و قال حكاية عن نبيه يعقوب لأبنه يوسف : لاَ تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ( يوسف : ٥ ) و قال أيضا حاكيا عنه : يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( يوسف : ٦٧ )ففي هذا أمر بالحذر مع التنبيه إلى أنه متوكل على الله، ولا تنافي بينهما ولا غنى للمؤمن عنهما.
روى أحمد و الشيخان ( البخاري ومسلم ) عن أبي عباس مرفوعا ( ( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألف بغير حساب، الذين لايسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ) ) وقد قرن التوكل بترك الأعمال الوهمية دون غيرها إذ لم ينف من الأعمال إلا الاستشفاء بالرقية وهي إنما يطلبها الجاهلون بالأسباب الحقيقية، وإلا التطير وهو التيمن والتشاؤم بحركات الطي وإلا الكي بالنار وكانوا يتداوون به في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه لأمته ويعده من الأسباب المؤلمة التي تنافي التوكل وقد روى أحمد " لم يتوكل من استرقى أو اكتوى ".
وروى أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجه " لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا " و هو ظاهر في أن التوكل يكون مع السعي لأنه ذكر للطير عملا و هو الذهاب صباحا في طلب الرزق و هي فارغة البطن و الرجوع وهي ممتلئتها.
و أخرج ابن حبان قي صحيحه :" حديث الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم و أراد أن يترك ناقته و قال : أأعقلها و أتوكل أو أطلقها و أتوكل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اعقلها و توكل "
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : قلت لأبي هؤلاء المتوكلون يقولون : نقعد و أرزقنا على الله عز وجل قال : ذا قول رديء خبيث يقول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ( الجمعة : ٩ ) و قال أيضا : سألت أبي عن قوم يقولون : نتكل على الله و لا نكتسب قال : ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله و لكن يعودون أنفسهم الكسب هذا قول إنسان أحمق.
وسر هذا أن الإنسان إذا توكل و لم يستعد للأمر و يأخذ له الأهبة بحسب ما سنه الله من الأسباب أسف و ندم و تحسر على ما فات و عد ملوما عقلا وشرعا كما أنه إذا أخذ الأهبة واعتمد عليها و غفل قلبه عن الله كان عرضة للهلع و الجزع إذا خاب سعيه و لم ينل بغيته و ربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح.
المعنى الجملي : بعد أن رغب الله المؤمنين في الإقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان ما لهم من الفضل و عظيم الأثر و حسن العاقبة.
نهاهم عن متابعة الكفار ببيان سوى مغبتها في دينهم و دنياهم و الخطاب موجه إلى كل من سمع من المؤمنين مقالة أولئك القائلين من المنافقين- ارجعوا إلى إخوانكم و دينكم فإن الكفار لما أرجفوا أن النبي قد قتل دعا المنافقين بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر فنهاهم الله عن الالتفات إلى كلامهم.
المعنى الجملي : روى ابن جرير عن السدي قال : لما برز رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين و قال لهم : لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وأمر عليهم عبد الله بن جبير ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال : يا معشر أصحاب محمد و إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار و يعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجل الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النارفقام إليه علي بن أبي طالب فقال : والذي نفسي بيدي لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشف عورته فقال : أنشدك الله و الرحم يابن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال أصحاب علي له : مامنعك أن تجهز عليه ؟ قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشف عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام و المقداد بن الأسواد على المشركين فهزماهم و حمل النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد و هو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع.
ثم لما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحاب في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر.
فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم و قتلوا منهم نحو سبعين.
و نستخلص من هذه الرواية أمرين :
( ١ ) أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الرماة ألا يبرحوا مكانهم و أنه قال له لا نزا ل غالبين ما ثبتم مكانكم.
( ٢ ) أن الذي عصى أمره من الرماة عامتهم أما الذين بلغ الإيمان قرارة أنفسهم فقد ثبتوا.
وروى الو احدي عن محمد بن كعب قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصبوا بما أصيبوا يوم أحد _ قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله تعالى بالنصر ؟ فأنزل الله ولقد صدقكم الله وعده الآية.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه فيما سلف لعباده المؤمنين أن الهزيمة التي حلت بهم يوم أحد كانت بوسواس من الشيطان استزلهم به فزلوا –حذرهم هنا من مثل هذه الوسوسة التي أفسد بها الشيطان قلوب الكافرين.
المعنى الجملي : بعد أن أرشد سبحانه عباده المؤمنين في الآية المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم و معادهم و كان من جملة ذلك أن عفا عنهم –زاد في الفضل و الإحسان إليهم في هذه الآيات بأن مدح الرسول صلى الله عليه و سلم على عفوه عنهم و تركه التغليظ عليهم وقد نزلت هذه الآيات عقب وقعة أحد التي خالف فيها النبي صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه و كان من جراء ذلك ما كان من الفشل و ظهور المشركين عليهم حتى أصيب النبي صلى الله عليه و سلم مع من أصيب فصبر و تجلد ولان في معاملة أصحابه و خاطبهم بالرفق و لم يعاتبهم اقتداء بكتاب الله إذ أنزل في هذه الوقعة آيات كثيرة بين فيها ما كان من ضعف بعض المسلمين و عصيانهم و تقصيرهم حتى ذكر الظنون و الهواجس النفسية لكن مع العتب المقترن بذكر العفو و الوعد بالنصر و إعلاء الكلمة.
المعنى الجملي : بعد أن حكي سبحانه عن المنافقين أنهم نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الغلول و الخيانة ثم برأه منه و بين ما بعث لأجله – عاد هنا إلى كشف الشبهات التي عرضت للغزاة قبل الواقعة و بعدها ة بين خطأهم و ضلالهم في أقوالهم و أفعالهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه تثبيط المشركين للراغبين في الجهاد بتحذيرهم عواقبه و أنه مفض إلى القتل كما حدث يوم أحد و القتل بغيض إلى النفوس مكروه لها ثم أردفه بيان أن القتل إنما يحدث بقضاء الله و قدره كما يحدث الموت فمن كتب له أن يقتل لا يمكنه أن يبتعد من القتل و من لم يقدر له لا خوف عليه من الجهاد.
ذكر هنا ما يحبب الجهاد في سبيل الله فأبان أن المقتولين شهداء أحياء عند ريهم قد خصهم الله بالقرب منه و الكرامة لديه و أعطاهم أفضل أنواع الرزق و أوصلهم إلى مراتب الفرح و السرور.
أخرج الإمام أحمد في جماعة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا فقال الله تعالى :-أنا أبلغهم عنكم – فأنزل الله هؤلاء الآيات "
تفسير المراغي
المراغي