ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

على القتل في سبيل الله، وبيانه ما أقول: إن قُتلتم في سبيل الله أو
متم فيه حصلت لكم المغفرة والرحمة تنبيها أنه أوجبهما للثواب.
ولمّا عنى في الثانية الموت المطلق والقتل العارض قدم أبينهما
عندهم إذ لابد منه، فكأنه قيل: إن حصل ما لابد منه بوجه وهو
الموت حتف الأنف، أو ما هو عارض، وعندكم أنه قد يكون
منه خلاص، وهو القتل، فالحشر لا محالة حاصل.
قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩).

صفحة رقم 947

قال النحولِون (ما) زائدة، وعلى هذا (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ).
وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ)، وأفاد التأكيد.
ووجه تأكيده أنه نكرة تدل على إبهام ما عُلِّق به، وإبهامه يقتضي التعجب.
فكأنه بعظيم من رحمته (لِنْتَ لَهُمْ) واللّين عبارة عن حسن الخلق.
وحسن الكلام بالصفو والزلال، حتى قال الشاعر:

صفحة رقم 948

فتى مثل صفو الماء ليس بباخل.
استعمل في ضده الفظاظة.
وغلظ القلب: عبارة عن قلة الرحمة. وبإزائه رقّة القلب.
والانفضاض: التفرق، وانفضَّ وارفضَّ يتقاربان إلا أن انفضَّ اعتباراً بانكسار بعضهم عن بعض، وارفضَّ اعتبارا برفض بعضهم بعضاً.
والمشاورة: استخراج صائب الرأي عن الغير.
واششقاقه من شور العسل، وشرت الدابة وشورتها،

صفحة رقم 949

والعزم: ثبات الرأي على الأمر، نحو إجماع الرأي، والتوكل
على الله الثقة به والوقوف حيثما وقف، وبين أدنى منزلة له
نحو ما قاله للأعرابي "اعقله وتوكل" وبين غايته التي هي
كحال إبراهيم عليه السلام بون بعيد.
ونبّه بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)
على فعمته على النبي - ﷺ - أولا وعلى أمّته ثانيا.
كقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) الآية.
وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وأمره بالعفو عن
تقصيرهم فيما يلزمهم له، وأن يستغفر لهم من ذلك، كقوله:

صفحة رقم 950

(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)
ثم أمره بإجراء نفسه مجرى أحدهم في الرأي الذي هو خاصّ بالإِنسان.
ثم قال: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أي وإن قاربتم هذه المقاربة فليكن اعتمادك على الله، وتقويتك به، كما قال النبي - ﷺ -: "من سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله".
واختُلِفَ في مشاورة النبي لأصحابه على أي وجه، فقال سفيان بن عيينة: ليقتدي به غيره، وقال قتادة: تطييباً لقلوبهم، ويجب أَن نقدّم مقدمة
تبيّن في أي أمر أولا تدخل الاستشارة؟ ثم من استشار غيره فلأي

صفحة رقم 951

قصدٍ يستشير؟ فيقال: أمّا ما يُستشار فيه فهو الأمور الممكنات
المتعلقة باختيار الفاعل، وأما القصد بالاستشارة فتارة لاستضاءة
المُستشِير برأي المُستشَار، أو لئلا يُلام إذا استبدَّ بالأمر، فيتفق
وقوعه بخلاف المراد، ولهذا قيل: الاستشارة حصنٌ من الندامة.
وأمن من الملامة، وتارةً طلبا لهداية المستشار، إما لأن يتبين له
خطأ رأيه إن كان له رأي خطأ في ذلك الأمر، وإمّا أن لا يعتقد هو
أو غيره أن الاستبداد فضيلة فيستبد برأيه فيما ربما يؤذي إلى
فساد: إما لإِكرامه أو تعظيمه، فإذا تقرر هذا فأمور النبي - ﷺ - لا تنفكّ: إما أن تكون شيئاً دينيَّا أو دنيويًّا.
فإن كان دينيا فمعلوم أن النبي - ﷺ - غير محتاج إلى الاستضاءة برأي غيره من البشر، لما أمدّه الله تعالى به من النور الإِلهي، وما كان يستشيرهم في أصول الشريعة، لكن ربما كان يستشيرهم في شيء من فروعها، التي هي من مسائل الاجتهاد لنا، نحو ما رُوي أن النبي - ﷺ - استشار

صفحة رقم 952

إصحابه في شعارٍ يرفع للصلاة، ومثل ذلك تشريف لهم أولا.
وتنبيه أن ما سبيله الاجتهاد فحقُّه الاستعانة فيه بالآراء الكثيرة
الصحيحة، لينقدح منها الصواب، وأمّا ما كان من الأمور
الدنيوية كالمساحة والكتابة والحساب، فمعلوم أنه كان مستغنياً
بغيره في كثير منها، بل قد صرّح في ذلك بقصوره (١) فيما رُوي أنه

(١) الأولى مراعاة الأدب مع رسول الله - ﷺ - ومن ثَمَّ كان الأولى عدم استخدام هذه العبارة. والله أعلم.

صفحة رقم 953

عليه السلام لما ورد المدينة ووجد أهلها يؤبِّرون (١) نخلهم، فقال:
"ما أرى أن ذلك ينفع " فتركوه، فتبين ذلك في نقصِ أثمارهم
فشاوروه فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور
آخرتكم" (٢).
وعلى هذا. ما كان يتعلّق بأمور الحرب المتعلقة
بتهييجها تارة وتسكينها تارة، وبالمنِّ فيها تارة وبالافتداء تارة.
ولذلك لما همَّ بمصالحة عُيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة.
قال بعضهم: أبوحي هذا أم برأي رأيته؟ قال: "برأي رأيته"
فراجعوه وبينوا له موضع الصواب، وترك رأيه لرأيهم.

(١) يؤبرون: يلقّحون: المصباح المنير.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب - الفضائل - باب "وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره عنيم في معايش الدنيا" رقم (٢٣٦٣) دون قوله: "وأنا أعلم بأمر آخرتكم " من حديث أنس وعائشة رضي الله عنهما.

صفحة رقم 954

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية