يا أيها الذين آمنوا اصبروا على دينكم ومشاق التكليفات ومخالفة الهوى وعلى محبة ربكم وطاعته لا تدعوها في شدة ولا رخاء وعلى جهاد أعدائكم وعلى البليات والشدائد، قال جنيد : الصبر حبس النفس على المكروه بغير جزع واصبروا يعني غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون (١) تخصيص بعد التعميم، والمصابرة كما يوجد في مقابلة الكفار في الجهاد الأصغر يوجد في مقابلة النفس في الجهاد الأكبر أيضا فإن النفس يتحمل من الشدائد والمكاره في طلب الدنيا وشهواتها ما لا يخفى، وقد يتحمل لنيل النعيم الباقية في الجنات العلى، فلا بد للصوفي أن يتحمل أكثر من ذلك كله في طلب المولى جل وعلا ورابطوا أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو، أو أنفسكم وقلوبكم وأبدانكم في ذكر الله والطاعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد وحلق الذكر وأصل الربط الشد يعني شد الخيل في الثغور، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن له مركب، ثم قيل لكل مقيم على شيء يدفع عنه ما يمنعه، والمرابطة المغالبة في الرباط على من عداه يعني أن الأعداء يربطون لمحاربتكم فأنتم غالبوهم في ذلك. عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها " (٢) رواه البغوي من طريق البخاري والفصل الأول في الصحيحين عن سهل والفصل الثالث فيهما عن أنس. وعن سلمان الخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من ربط يوما وليلة في سبيل الله كان له أجر، صيام شهر مقيما ومن مات مرابطا أجرى له مثل ذلك الأجر، وأجري عليه من الرزق وأمن من الفتان " رواه البغوي، ورواه مسلم بلفظ " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان " (٣) وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة بلفظ " من رابط يوما أو ليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه ولا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وعن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر " (٤) رواه الترمذي وأبو داود ورواه الدارمي عن عقبة بن عامر، وعن عثمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل " (٥) رواه الترمذي والنسائي، وقال البغوي : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط " (٦) رواه البغوي وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة نحوه واتقوا الله لعلكم تفلحون الفلاح الفوز بالمحبوب بعد الخلاص من المكروه، ولعل لتغيب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل رباط يوم في سبيل الله (٢٨٩٢) وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٤)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الرباط في سبيل الله عز وجل (١٩١٣). أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل من مات مرابطا (١٦٦٧). أخرجه النسائي في كتاب: الجهاد، باب: فضل الرباط (٣١٦٠) وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٦)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الرباط في سبيل الله عز وجل (١٩١٣). أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل من مات مرابطا (١٦٦٧). أخرجه النسائي في كتاب: الجهاد باب: فضل الرباط (٣١٦٠) وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٦)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الرباط في سبيل الله عز وجل (١٩١٣). أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل من مات مرابطا (١٦٦٧).
أخرجه النسائي في كتاب: الجهاد باب: فضل الرباط (٣١٦٠) وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٦)..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل إسباغ الوضوء على المكاره (٢٥١) وأخرجه النسائي في كتاب: الطهارة، باب: الفضل في ذلك (١٤١) وأخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في إسباغ الوضوء (٥١)..
التفسير المظهري
المظهري