ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

المعنى الجملي : بعد أن وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم و كانوا في الدنيا في غاية الفقر و الشدة و الكفار كانوا في رخاء ولين عيش ذكر في هذه الآية ما يسليهم و يصبرهم على تلك الشدة فبين لهم حقارة ما أوتي هؤلاء من حظوظ الدنيا و ذكر أنها متاع قليل زائل فلا ينبغي للعاقل أن يوازن بينه و بين النعيم الخالد المقيم.
اصبروا : أي احبسوا نفوسكم عن الجزع بما ينالها و صابروا : أي اصبروا على شدائد الحرب مع أعداء الله و رابطوا : أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم حابسين لها مترصدين للغزو و التقوى : أن تقي نفسك من غضب الله و سخطه و الفلاح : هو الفوز و الظفر بالبغية المقصود من العمل.
وقد ختم الله هذه السورة بوصية للمؤمنين إذا عملوا بها كانوا أهلا لاستجابة الدعاء و أحق بالنصر في الدنيا و حسن المثوبة في الآخرة فقال :
يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون أي اصبروا على شدائد الدنيا و آلامها من مرض و فقر و خوف و صابروا : أي تحملوا المكاره التي تلحقكم من سواكم و يدخل في ذلك احتمال الأذى من الأهل و الجيران و ترك الانتقام ممن يسيء إليكم كما قال : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ( الأعراف : ١٩٩ )و إيثار غيركم على أنفسكم كما قال : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ( الحشر : ٩ ) و العفو عمن ظلمكم كما قال : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( البقرة : ٢٣٧ )و دفع شبه المبطلين و حل شكوكهم و الإجابة عن شبههم و قوله ورابطوا : أي اربطوا خيلكم في الثغور كما يربط العدو خيله استعداد للقتال كما قال تعالى : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ( الأنفال : ٦٠ ) و يدخل في هذا كل ما ولده العلم في هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات وقاذفات للقنابل و دبابات و مدافع رشاشة و بنادق و أساطيل بحرية و نحو ذلك مما صار ضروريا من آلات الحروب الحديثة و صار من فقدها يشبه أن يكون أعزل من السلاح وإن كان مدججا به و يلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب و الخطط العسكرية بارعين في العلوم الطبيعية و الرياضية فكل ذلك واجب على المسلمين في هذا العصر لأن الاستعداد لا يتم إلا به و لقد أكثر الله في كتابه ذكر التقوى و يراد بها الوقاية من سخط الله و غضبه و لا يكون إلا بعد معرفته ما يرضيه و ما يسخطه و لا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله و عرف سنة نبيه و سيرة السلف الصالح من الأمة الإسلامية و من فعل كل ما تقدم فصبر و صابر ورابط لحماية الحق و أهله و نشر دعوته و اتقى ربه في سائر شؤونه فقد أفلح و فاز بالسعادة عند ربه.
و هذا الفوز و الفلاح بالبغية قد يكون في شؤون الدنيا كما جاء حكاية عن فرعون : وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ( طه : ٦٤ )و قد يكون في شؤون الآخرة كقوله تعالى حكاية عن أهل الكهف : وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ( الكهف : ٢٠ ).
وقد يكون فيهما معا و أكثر ما جاء في القرآن من هذا كالذي نحن فيه فإن مصابرة الأعداء و المرابطة و التقوى كلها من وسائل الظفر على الأعداء في الدنيا كما أنها من أسباب السعادة في الآخرة بعد توافر حسن النية و قصد إقامة الحق و العدل.
وفقنا الله للعمل إلى ما يرضيه حتى نصل إلى سعادة الدارين بفضله و إحسانه و منه و كرمه و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير