ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

الإساءة ضدها الإحسان، وسبق أن قلن : إن الإحسان : أن تترك الصالح على صلاحه، أو أن تزيده صلاحا، ومثلنا لذلك ببئر الماء الذي يشرب منه الناس، فواحد يأتي إليه فيردمه أو يلوث ماءه، وآخر يبنى حوله سياجا يحميه أو يجعله له آلة تخرج الماء وتريح الناس، فهذا أحسن وذاك أساء، فإذا لم تكن محسنا فلا أقل من أن تكف إساءتك، وتدع الحال على ما هو عليه.
والحق- سبحانه وتعالى- خلق الكون على هيئة الصلاح، ولو تركناه كما خلقه ربه لظل على صلاحه، إذا لا يأتي الفساد إلا من تدخل الإنسان، لذلك يقول سبحانه : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون١١ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون١٢ ( البقرة )
وينبغي على الإنسان أن يأخذ من ظواهر الكون ما يفيده، أذكر أننا حينما سافرنا إلى مكة سنة ١٩٥٠ كنا ننتظر السقاء الذي يأتي لنا بقربة الماء، ويأخذ أجرة حملها، وكنا نضعها في ( البزان ) وهو مثل( الزير ) عندنا، فإذا أراد أحدنا أن يتوضأ يأخذ من الماء كوزا واحدا ويقول : نويت نية الاغتراف، ولا يزيد في ضوئه عن هذا الكوز ؛ لأننا نشري الماء، أما الآن فالواحد منا لا تكفيه ( صفيحة ) لكي يتوضأ من حنيفة الماء. وفي ترشيد استعمال الماء ترشيد أيضا للصرف الصحي وللمياه الجوفية التي تضر بالمباني وبالتربة الزراعية.
لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في استعمال الماء حتى لو كنا على نهر جار١.
فمعنى الذين أساءوا : أي الذي جاء إلى الصالح فأفسده أو أنشأ إفسادا جديدا، وطبيعي أن تكون عاقبته من جنس فعله ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى... ١٠ ( الروم ) والسوأى : مؤنث سيء مثل : حسن للمذكر، وحسنى للمؤنث. وأصغر وصغرى، فهي أفعل تفضيل من السوء.
ثم يقول الحق سبحانه : أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون ١٠ ( الروم ) فالأمر لم يقف عند حد التكذيب بالآيات، إنما تعدى التكذيب إلى الاستهزاء، فما فلسفة أهل الاستهزاء حينما يستهزؤون بالآخرين ؟ كثيرا ما نلاحظ أن التلميذ الفاشل يستهزئ بالمجتهد، والمنحرف يستهزئ بالمستقيم، لماذا ؟
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون٢٩ وإذا مروا بهم يتغامزون٣٠ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين٣١ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون٣٢ ( المطففين )
لكن لا تتعجل، وانتظر عاقبة ذلك حينما يأخذ هؤلاء المؤمنون أماكنهم في الجنة، ويجلسون على سررها وأرائكها : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون٣٤ على الأرائك ينظرون٣٥ هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ٣٦ ( المطففين )
والخطاب هنا للمؤمنين الذين تحملوا السخرية والاستهزاء في الدنيا : أقدرنا أن نجازيهم على ما فعلوه بكم ؟
إذن : فلسفة الاستهزاء أن الإنسان لم يقدر على نفسه ليحملها على الفضائل، فيغيظه كل صاحب فضيلة، ويؤلمه أن يرى مستقيما ينعم بعز الطاعة، وهو في حمئة المعصية ؛ لذلك يسخر منه لعله ينصرف عما هو فيه من الطاعة والاستقامة.

١ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ. فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف ؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار. أخرجه أحمد في مسنده(٢/٢٢١)، وابن ماجه في سننه (٤٢٥)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير