ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

محتملة في هذه الآية؛ فيكون معنى قوله: فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بوضع عذابهم في غير موضعه؛ بأخذهم قبل وقته، وبحبس شيء من أرزاقهم وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بوضعها في غير موضعها من التغرير بها، وتعريضها للهلاك بالكفر، وترك النظر لها. ويظلمون أنفسهم أيضًا بمنعها الخير من الإيمان.
١٠ - ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى قال ابن عباس ومقاتل: يعني أشركوا (١).
وقوله: السُّوأَى أكثر التفسير في السُّوأَى أنها: النار، ضد الحُسنى؛ وهي: الجنة (٢). وهو قول الأخفش والفراء والزجاج وابن قتيبة (٣)، قال الزجاج وغيره: إساءتهم هاهنا: كفرهم، وجزاء الكفر: النار (٤). كما جُعل للعمل الحسنى؛ وهو: الإيمان: الثواب الحسن؛ وهو: الجنة، في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس: ٢٦].
قال ابن قتيبة: السُّوأَى جهنم، والحسنى: الجنة (٥). وقال غيره: سميت جهنم السُّوأَى لأنها تسوء صاحبها، من قولهم: ساءه يسوؤه.

(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٥، من طريق علي بن أبي طلحة. و"تفسير مقاتل" ٧٧ ب.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٥، عن ابن عباس، وقتادة. "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٦٥ ب، ولم ينسبه. والحسنى وردت في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] وقد ذكر الآية الواحدي بعد ذلك.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٢٢. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ٣٤٠. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٧٩. قال الأخفش: السُّوأَى مصدر هاهنا مثل: التقوى. "معاني القرآن" ٢/ ٦٥٦، ولم أجد فيه ما ذكر الواحدي.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٧٩.
(٥) "غريب القرآن" ص ٣٤٠.

صفحة رقم 21

وقيل: لأنها قبيحة المنظر، يقال ساء الشيء إذا قَبُح، يسوء، والسَّوء: المرأة القبيحة، ومنه: السيئ والسيئة، وقد ذُكرتا (١)، وقيل في تفسير السُّوأَى هاهنا أنها: العذاب في الدنيا. وهو قول مقاتل (٢).
وفي قوله: عَاقِبَةَ الَّذِينَ قراءتان؛ الرفع والنصب (٣)، فمن نصب جعلها خبر كان، ونصبَها متقدمةً، كما قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧] واسم كان على هذه القراءة يجوز أن يكون أحد شيئين؛ أحدهما: السُّوأَى على تقدير: ثم كان عاقبة الذين أساؤا (٤)، ويكون أن في قوله: أَنْ كَذَّبُوا مفعولًا له؛ أي: لأن كذبوا (٥).
وهذا معنى قول الفراء والزجاج؛ قال الفراء: أَنْ كَذَّبُوا لتكذيبهم، ولِأن كذبوا، فإذا ألقيتَ اللام كان نصبًا (٦).
وقال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين النارَ لتكذيبهم بآيات

(١) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران: ١٢٠]: يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيء، والأنثى سيئة؛ أي: قبُح، ومنه قوله: سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٦] وسوَّأت على الرجل فعله؛ أي: قبحته عليه وعبته به، والسُّوأى ضد: الحسنى، والسَّوءاء: المرأة القبيحة.
(٢) "تفسير مقاتل" ٧٧ ب.
(٣) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: عَاقِبَةَ بالرفع، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: عَاقِبَةَ بالنصب. "السبعة في القراءات" ص ٥٠٦، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٤٢، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" ٢/ ١٩٣، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٤٤.
(٤) اسم كان هنا غير واضح؛ لأن في العبارة نقصًا، وصوابها كما عند أبي علي في "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٤٢: التقدير: ثم كان السوأى عاقبةَ الذين أساؤوا.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٤٣.
(٦) "معاني القرآن" للفر اء ٢/ ٣٢٢.

صفحة رقم 22

الله واستهزائهم (١).
الوجه الثاني في اسم كان على هذه القراءة هو: أَنْ كَذَّبُوا التقدير: ثم كان التكذيبُ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا ويكون: السُّوأَى على هذا مصدرًا، وفُعْلَى من أبنية المصادر، كالرُّجعى، والشُّورى، والبُّشرى (٢)، ومعنى الآية: ثم كان التكذيب آخرَ أمرهم أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب والشرك عقابًا لهم بذنوبهم. وهذا الوجه ذكره أبو علي، وصاحب النظم.
ومن رفع العاقبة جاز أن يكون الخبر: السُّوأَى و أَنْ كَذَّبُوا كما جاز فيمن نصب العاقبة أن يكون كلُّ واحد منهما: الاسم، والتقدير: ثم كان عاقبةُ المسيء التكذيبَ بآيات الله، يعني أنه مات على التكذيب كما ذكرنا، أو يكون المعنى: أنه لم يظفر في شركه وكفره بشيء إلا بالتكذيب بآيات الله، و السُّوأَى على هذا في موضع نصب بأنه مصدر. وقد يجوز أن يكون: صفة لموصوف محذوف، كأنه الخَّلَة السُّوأَى أو الخِلال السُّوأَى (٣).

(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٧٩.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٤٣. والرُّجعى وردت في قوله تعالى: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق: ٨] والبشرى في قوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. [يونس: ٦٤] و فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى.. [هود: ٧٤] و وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى [الزمر: ١٧]، وأما الشورى فلم ترد في القرآن معرفة بالألف واللام، وإنما جاءت منكرة، قال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.. [الشورى: ٣٨] والله أعلم.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٤٤، بنصه. وقد ضبطت: الخلة، بضم الخاء، والخلال بكسرها، ولم يبين في الحاشية المعنى، ولعل الصواب -والله أعلم- =

صفحة رقم 23

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية