في الآية الأولى هتاف بالناس ودعوة لهم إلى تقوى الله والخوف من يوم القيامة ؛ حيث لا يسد فيه والد مسد ولد، ولا ولد مسد والد، وحيث يكون كل امرئ مسؤولا عن عمله ومشغولا بنفسه عن غيره، وإن كان أقرب الناس إليه وألصقهم به، وتوكيد لهم بأن وعد الله هذا حق، وتحذير لهم من الاغترار بالحياة الدنيا والاستماع إلى وساوس الشيطان وإغراءاته.
وفي الثانية تقرير بأن علم موعد يوم القيامة هو عند الله الذي ينزل الغيث، ويعلم ما تحمل الأرحام، وبأنه ليس من أحد يستطيع أن يعرف ماذا يفعل غدا وماذا يكسب، وفي أي أرض يموت، فالله وحده هو العليم بكل شيء، الخبير بحقائق الأمور وسيرها ونتائجها.
ولقد روى الطبري١ أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة سؤال رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلا :( إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد ؟ وبلادنا محل جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ؟ فأنزل الله إن الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية ). وروى البغوي أنها نزلت في الحارث بن عمرو من أهل البادية الذي جاء إلى النبي فسأله هذه الأسئلة. وروح الآيتين تلهم وجود ترابط قوي بينهما أولا وبينهما وبين الآيات السابقة لهما ثانيا. وتلهم كون الآية الثانية جاءت لتدعيم ما احتوته الآية الأولى من إنذار وتحذير، هذا فضلا عن تساوق الفاصلة في الآيتين وتساوقها كذلك في الآيات السابقة. وكل هذا يجعلنا نرى أن الآيتين متصلتان بسابقاتهما سياقا وسبكا وموضوعا، وأنهما جاءتا خاتمة للسورة وما احتوته من فصول المناظرة أو مشاهدها معا. وقد تضمنتا هتافا قويا للناس محذرا منذرا داعيا إلى الله وتقواه.
وما قلناه لا يمنع أن يكون بعض الناس قد وجهوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الأسئلة، وأن الآية الأخيرة قد احتوت إجابات عليها
تعليق على آية
إن الله عنده علم الساعة
الخ وحديث مفاتيح الغيب
ولقد أورد المفسرون١ في مناسبة الآية الأخيرة حديثا نبويا عن ابن عمر جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : مفاتيح الغيب خمس ثم تلا الآية. وأوردوا ٢ كذك حديثا آخر عن ابن عمر أيضا جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، فلا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت.
والحديث الأول مما أخرجه البخاري ٣، ونحن في حيرة من ذلك ؛ لأن بدء كل من الحديثين يفيد الحصر، ويعني أن الأمور الخمس هن مفاتح الغيب مع أنهن لسن كل ما يغيب عن الناس علمه، ثم إن جملة وينزل الغيث في الآية لا تعني أنه لا يعلم وقت نزول الغيث إلا الله، والله أعلم.
٢ المصدر نفسه..
٣ التاج جـ ٤ ص ١٨١..
التفسير الحديث
دروزة