ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

وختمت سورة لقمان بذكر ( مفاتح الغيب ) الخمس التي لا يعلمها على وجه التحقيق إلا الله، فقال تعالى : إن الله عنده علم الساعة ، والمراد بالساعة هنا الساعة التي يأذن الله فيها بحدوث انقلاب شامل في الكون، فتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فالعلم الجازم بموعدها، والمحيط بكيفية حدوثها، خاص بالله تعالى وحده لا يجليها لوقتها إلا هو ( ١٨٧ : ٧ ).
ثم قال تعالى : وينزل الغيث ، والغيث هنا هو المطر الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها، عندما يأذن بتحريك الرياح وإثارة السحب، فيكرم به البشر أجمعين، على النطاق العالمي كله، دون تفريق بين بلد وبلد وجنس وجنس، ودون تكاليف ولا مصاريف. وتحريك الرياح في الكرة الأرضية، الذي هو العامل الأكبر في إثارة السحب ونزول الأمطار، لا يقوى عليه إلا الله تعالى وحده، ولا يعلم مواعيده ومواعيد نزول المطر، ومبلغ كمياته قبل أن ينزل، على وجه التحقيق والتدقيق، إلا خالق الخلق ورازقهم.
ثم قال تعالى : ويعلم ما في الأرحام ، وكلمة ( ما ) لفظ عام يشمل أولا تصوير الله للأجنة في الأرحام، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ( ٦ : ٣ )، والعلم بما يستقر في الأرحام وما يسقط، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ( ٥ : ٢٢ )، والعلم بكون ما في الرحم ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددا، أبيض أو أشقر أو ملونا، ذكيا أو غبيا، سعيدا أو شقيا، طويلا أو قصيرا، غنيا أو فقيرا، معمرا أو قصير العمر، ويشمل العلم بمدة حمله هل تنقص عن المعتاد أم تزداد، أو تنتهي في الوقت المعتاد، على أن قوله تعالى : ما في الأرحام ، لا يخص أرحام النساء وحدهن، بل يشمل أرحام الحوامل من كل الإناث، سواء في ذلك إناث الإنسان وإناث غيره من الحيوان، فعلم الله تعالى محيط شامل، وإحصاؤه لخلقه إحصاء كامل، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار ( ٨ : ١٣ )، وصدق الله العظيم إذ قال ( ٣٢ : ٥٣ ) : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم .
ثم قال تعالى : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، فقد يعزم الإنسان على عمل الخير ثم لا يوفق إليه ويتورط في الشر، وقد ينوي القيام بمشروع مهم فتحول دونه الموانع، وقد يكون معوزا فيفاجأ بهبة من صديق، أو وصية من قريب، وقد يكون معتمدا على راتبه من الوظيف الذي يشغله، فيفاجأ بالطرد من الوظيف والتعرض للخصاصة والفقر، وقد يكون منتظرا لربح عظيم، فتنزل به خسارة عظمى، أو يقبض الله روحه فجأة، فتنتقل مكاسبه في الحين إلى ورثته، وهكذا دواليك.
ثم قال تعالى : وما تدري نفس بأي أرض تموت ، فقد يكون الإنسان مصرا على أن يقضي حياته ببلده إلى الموت، ثم ترمي به الأقدار خارج بلده لسياحة أو تجارة أو علاج، أو طلب علم أوصلة رحم، فإذا به يلقى الموت في بلد لم يخطر له ببال، ويموت ويقبر حيث يشاء الله، إن الله عليم خبير( ٣٤ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير