وَالِدِهِ وَيَحْضُرَ هُوَ بَدَلَهُ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى الْإِيلَامِ يَهُونُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَدْفَعَ الْإِيلَامَ عَنِ ابْنِهِ وَيَتَحَمَّلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَوْلُهُ: لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ فِي دَفْعِ الْآلَامِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً فِي دَفْعِ الْإِهَانَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا يَجْزِي وَقَوْلُهُ: وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ (لَطِيفَةٌ أُخْرَى) وَهِيَ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِعْلَ يَتَأَتَّى وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا كَانَ يَخِيطُ شَيْئًا يُقَالُ إِنَّهُ يَخِيطُ وَلَا يُقَالُ هُوَ خَيَّاطٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَحِيكُ شَيْئًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ صَنْعَتَهُ يُقَالُ هُوَ يَحِيكُ وَلَا يُقَالُ هُوَ حَائِكٌ، إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَنَقُولُ الِابْنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ جَازِيًا عَنْ وَالِدِهِ لِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَالِدُ يَجْزِي لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّفَقَةِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْوَالِدِ لَا يَجْزِي وَقَالَ فِي الْوَلَدِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِلْيَوْمِ يَعْنِي/ اخْشَوْا يَوْمًا هَذَا شَأْنُهُ وَهُوَ كَائِنٌ لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ وَوَعْدُهُ حَقٌّ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ الْجَزَاءِ يَعْنِي: لَا يَجْزِي والد عن ولده لأن الله وعد بألا تزر وازرة وزر أخرى وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ، فَلَا يَجْزِي وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَظْهَرُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يَعْنِي إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا تَغْتَرُّوا بِالدُّنْيَا فَإِنَّهَا زَائِلَةٌ لِوُقُوعِ [ذَلِكَ] الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ بِالْوَعْدِ الْحَقِّ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يَعْنِي الدُّنْيَا لَا يَنْبَغِي أَنْ تَغُرَّكُمْ بِنَفْسِهَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَغْتَرُّوا [بِهَا] وَإِنْ حَمَلَكُمْ عَلَى مَحَبَّتِهَا غَارٌّ مِنْ نَفْسٍ أَمَّارَةٍ أَوْ شَيْطَانٍ فَكَانَ النَّاسُ عَلَى أَقْسَامٍ مِنْهُمْ مَنْ تَدْعُوهُ الدُّنْيَا إِلَى نَفْسِهَا فَيَمِيلُ إِلَيْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَسْوِسُ فِي صَدْرِهِ الشَّيْطَانُ وَيُزَيِّنُ فِي عَيْنِهِ الدُّنْيَا وَيُؤَمِّلُهُ وَيَقُولُ إِنَّكَ تُحَصِّلُ بِهَا الْآخِرَةَ أَوْ تَلْتَذُّ بِهَا ثُمَّ تَتُوبُ فَتَجْتَمِعُ لَكَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَنَهَاهُمْ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ كُونُوا قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا إِلَى من يحسن الدنيا في الأعين. ثم قال تعالى:
[سورة لقمان (٣١) : آية ٣٤]
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
يَقُولُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى عِلْمَ أُمُورٍ خَمْسَةٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ الَّذِي كَانَ فِي كَثِيبِ رَمْلٍ فِي زَمَانِ الطُّوفَانِ وَنَقَلَهُ الرِّيحُ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَمْ مَرَّةٍ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ أين هو ولا يعلمه غيره، ولأن يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوجَدُ بَعْدَ هَذِهِ السِّنِينَ ذَرَّةٌ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَسْلُكُهَا أَحَدٌ وَلَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَلَا وَجْهَ لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالذِّكْرِ وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِيهِ أَنْ نَقُولَ لَمَّا قَالَ الله: اخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَائِنٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ فَمَتَى يَكُونُ هَذَا الْيَوْمُ فأجيب بأن هذا العلم ما لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَكِنْ هُوَ كَائِنٌ، ثم ذكر الدليلين الذين ذَكَرْنَاهُمَا مِرَارًا عَلَى الْبَعْثِ أَحَدُهُمَا: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى [الروم: ٤٩، ٥٠] وقال تعالى:
وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩] وقال هاهنا يَا أَيُّهَا السَّائِلُ إِنَّكَ لَا تَعْلَمُ وَقْتَهَا وَلَكِنَّهَا كَائِنَةٌ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ [الشورى: ٢٨]
وقال: وَيُحْيِ الْأَرْضَ [الروم: ١٩] / وَثَانِيهِمَا: الْخَلْقُ ابْتِدَاءً كَمَا قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الرُّومِ: ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٠] إِلَى غير ذلك فقال هاهنا وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ السَّاعَةَ وَإِنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُهَا لَكِنَّهَا كَائِنَةٌ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا، وَكَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْخَلْقِ فِي الْأَرْحَامِ كَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلَى الْخَلْقِ مِنَ الرُّخَامِ، ثُمَّ قَالَ لِذَلِكَ الطَّالِبِ عِلْمَهُ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا، فَلَكَ أَشْيَاءُ أَهَمُّ مِنْهَا لَا تَعْلَمُهَا، فَإِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مَعَاشَكَ وَمَعَادَكَ، وَلَا تَعْلَمُ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا مَعَ أَنَّهُ فِعْلُكَ وَزَمَانُكَ، وَلَا تَعْلَمُ أَيْنَ تَمُوتُ مَعَ أَنَّهُ شُغْلُكَ وَمَكَانُكَ، فَكَيْفَ تَعْلَمُ قِيَامَ السَّاعَةِ مَتَى تَكُونُ، فَاللَّهُ مَا أَعْلَمَكَ كَسْبَ غَدِكَ مَعَ أَنَّ لَكَ فِيهِ فَوَائِدَ تُبْنَى عَلَيْهَا الْأُمُورُ مِنْ يَوْمِكَ، وَلَا أَعْلَمَكَ أَيْنَ تَمُوتُ مَعَ أن لك فيه أغراضا تهيء أُمُورَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا لَمْ يُعْلِمْكَ لِكَيْ تَكُونَ فِي وَقْتٍ بِسَبَبِ الرِّزْقِ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ وَلَا أَعْلَمَكَ الْأَرْضَ الَّتِي تَمُوتُ فِيهَا كَيْ لَا تَأْمَنَ الْمَوْتَ وَأَنْتَ فِي غَيْرِهَا، فَإِذَا لَمْ يُعْلِمْكَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَيْفَ يُعْلِمُكَ مَا لَا حَاجَةَ لَكَ إِلَيْهِ، وَهِيَ السَّاعَةُ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهَا تَكُونُ وَقَدْ أُعْلِمْتَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ لَمَّا خَصَّصَ أَوَّلًا عِلْمَهُ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ، بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ذَكَرَ أَنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَا، بَلْ هُوَ عَلِيمٌ مُطْلَقًا بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ عِلْمُهُ عِلْمًا بِظَاهِرِ الْأَشْيَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ خَبِيرٌ عِلْمُهُ وَاصِلٌ إِلَى بَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ، وَاللَّهُ أعلم بالصواب.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي