ولمَّا رأى المؤمنون الأحزابَ قد أقبلوا عليهم ؛ ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويُزَلْزَلُوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم. . إلى قوله : نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة : ٢١٤ ]، فلما جاء الأحزاب واضطربوا ؛ قالوا هذا ما وعدنا اللهُ ورسولهُ وصدق اللهُ ورسولهُ ، وعَلِمُوا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :" إنَّ الأحزاب سائِرون إليكم، في آخر تِسْع ليال، أو عشر "، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك. و هذا : إشارة إلى الخطب والبلاء، أي : هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، إلا إيماناً بالله وبمواعيده وتسليماً لقضائه وأقداره.
قال بعضهم : نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قَوِيَ نُورُنَا. وقال القشيري : كما أن المنافقين اضطربت عقائدهمُ عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثِقَةٌ، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً. وفي الله قوة. ثم قال : قوله تعالى : من المؤمنين رجال صدقوا... الآية، شَكَرَ صنيعَهم في المِرَاسَ، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسمّاهم رجالاً ؛ إثباتاً لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزاً لهم من بين أشكالهم بعلوِّ الحال، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صِدْقه، ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق : حفْظُ العهد وترك مجاوزة الحدَّ. ويقال : استواءُ السِّرِّ والجهر. ويقال : هو الثبات عندما يكون الأمر جدًّا.
قوله تعالى :... ليجزي الله الصادقين بصدقهم.. في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلودِ في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله : ويُعذب المنافقين إن شاء يقال : إذا لم يجَزم بعقوبة المنافق، وتعلَّق القول فيه على الرجاء، فبالحريّ ألا يُخيِّبَ المؤمنَ في رجائه. انتهى كلام القشيري.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي