ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦:وعقب كتاب الله على ما شرعه الإسلام في هذه السورة من التشريعات والأحكام، للقضاء على مخلفات الجاهلية، التي كانت بعض رواسبها لا تزال سارية، فقرر قاعدة عامة يجب أن يلتزمها كل مؤمن ومؤمنة، ألا وهي أنه إذا حكم الله ورسوله في شيء من الأشياء، خاص أو عام، بحكم من الأحكام، فلا تسوغ معارضته ولا الوقوف في وجهه بأي حال، وإنما يلزم قبوله وتنفيذه بمنتهى التسليم والامتثال، سواء كان الحكم لصالح المحكوم له، أو كان عليه، وذلك قوله تعالى هنا : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى ( ٦٤ : ٤ ) : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ، ثم بين كتاب الله أن من يعترض على حكم الله ورسوله ويتعرض له إنما يسلك مسالك الضلال، فقال تعالى هنا في نفس السياق : ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا( ٣٦ ) ، كما توعد في آية أخرى من يخالف أمر الله ورسوله بالفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى ( ٦٣ : ٢٤ ) : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .
وبمقتضي ما خولته هذه القاعدة القرآنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مجال التشريع والحكم، ورغبة منه في إهدار الفوارق الاجتماعية في الزواج، التي كانت متعارفة في الجاهلية، أعلن لأمته أن مجرد الاشتراك في العقيدة والدين، شرط كاف في ( الكفاءة ) بين الزوجين، وأنه من الخير للإسلام والمسلمين أن يفتح باب الزواج والمصاهرة بين من هم متفاوتون اجتماعيا إذا كانوا متساوين دينيا، وبديهي أن قريشا كانت مدعوة في الطليعة لأن تطبق هذا المبدأ الإسلامي، فتفتح باب الزواج بينهما وبين ( الموالي ) على مصراعيه، ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقدم بنفسه ليضرب المثل لغيره، فيرسل إلى زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته أممية بنت عبد المطلب، يخطبها لمولاه زيد بن حارثة، الذي عاش في كفالة الرسول وخدمته، منذ وهبته له زوجته خديجة، عند زواجه بها قبل النبوة، فأعتقه وتبناه، وقد كان ابن أخ زوجته خديجة، حكيم ابن حزام بن خويلد هو الذي وهبه لها، حيث آل إليه بالشراء من سبي من الشام سبته خيل من تهامة، وعندما علمت زينب بنت عمة الرسول أنه لم يخطبها لنفسه وإنما خطبها لمولاه زيد بن حارثة استنكفت من زيد وقالت : أنا خير منه حسبا، اعتبارا لنسبها في صميم قريش، الذي يعد عند العرب نسبا رفيعا، بينما نسب زيد لا يزال يعد في نظرهم نسبا وضيعا، إذ هذه أول سابقة من نوعها أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفتح بها الباب، ليزيل ما كان بين العرب ومواليهم من الفوارق والحجاب، لكن بعدما استمعت بنت عمته إلى كتاب الله وهو يقول : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ، لم يسعها إلا النزول على أمر الرسول، والرضى بزيد بن حارثة زوجا لها والقبول، فدخل بها ومكثت عنده ما يقرب من سنة أو يزيد قليلا، غير أن العشرة بينهما لم تكن مريحة ولا مطمئنة، فالاعتبارات الاجتماعية التي توارثها العرب لا تزال رواسبها حية في النفوس، ومن الصعب أن تمحي بسرعة وسهولة، ولا سيما في هذه المرحلة الأولى، ولذلك ما لبث زيد بن حارثة أن أخذ يحس بالهوة التي تفرق بينه وبين زوجته زينب، وابتدأ يتردد على رسول الله، شاكيا إليه بنت عمته التي زوجه بها، وكان يشكو منها على الخصوص غلظة قول، وعصيان أمر، وتعظما بالحسب والنسب، ويعرب في كل مناسبة عن نفرته منها، ورغبته في فراقها، فتأكد لدى الرسول عليه السلام أن العشرة بينهما لن تأخذ طريقها السوي، وأن زواجهما لا بد آئل إلى الفراق، لكنه بالرغم من ذلك لم يزل يوصي زيدا بإمساكها، حيث أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ( ٢١٦ : ٢ )، ولم يغب عن علمه صلى الله عليه وسلم ما سوف تتعرض له بنت عمته من الضياع إذا لم يقبل على الزواج بها من يماثلها أو يقاربها حسبا ونسبا بعد فراق زيد لها، ولاسيما والرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي خطبها وأشرف على زواجه بها، ولولا تدخله المباشر لما قبلت الزواج بزيد مولاه، وبالرغم من هذه الخواطر التي كانت تشغل بال الرسول عليه الصلاة والسلام فيما بينه وبين نفسه، والعواقب التي كان يتوقعها من فراق زيد لبنت عمته ومصيرها بعد فراقه، لم يشأ أن يبت في هذه المشكلة بمجرد الاستنتاج والاجتهاد، وكان عليه أن ينتظر، حتى ينزل في شأنها وحي إلهي صريح، فقد كان يخشى على الناس أن يقعوا في الفتنة من جراء قصة زيد التي لها طابع خاص من جهة، لما احتف بها من الظروف والملابسات، وطابع عام من جهة أخرى، لأنها أول سابقة من نوعها في حياة العرب ينطبق عليها حكم الإسلام الصارم، بعد ما ألفوا ( التبني ) ورتبوا عليه آثاره الباطلة قرونا طوالا، لا سيما والمرجفون من المنافقين مندسون بين أظهرهم، يتحينون الفرص للدس والإرجاف وبث البلبلة، فجاء كتاب الله بحل هذه المشكلة النفسية والاجتماعية، معلنا بالنسبة لزيد وزينب إذنه لرسول الله الزواج من بنت عمته، بعدما أصر على فراقها زيد مولاه، وفارقها من تلقاء نفسه، وبذلك يتحدد مصير بنت عمته، فلا تبقى أيما دون زوج، ولا تذوق ألم الإهمال والغربة، مع ما يتبعهما من غم وكربة، ويكافئها الله على طاعتها لرسوله بقبول الزواج من مولاه - لفتح الباب في وجه المصاهرة بين العرب والموالي- في البداية، فتصبح من بين أزواجه أمهات المؤمنين في النهاية : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ، ومعلنا في نفس الوقت أن النهاية التي آلت إليها قصة زيد إنما هي نموذج خاص للحكم العام الشامل، الذي تندرج تحته كل مشكلة من هذا النوع، بالنسبة للسلف والخلف : لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا .
وهذا الحل الذي نطق به كتاب الله في الآية السابعة والثلاثين من هذه السورة هو النتيجة المنطقية المستخلصة من قوله تعالى في الآية الرابعة منها : وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم ، إذ بمقتضى هذه الآية أصبح الابن الذي ليس بابن الصلب - وهو الذي وصفه كتاب الله بوصف ( الدعي ) والجمع ( أدعياء )- شخصا أجنبيا عن متبنيه السابق، وأصبح هذا المتبني - الذي كان يدعى ( أبا ) بالرغم من أنه ليس بأب - مسموحا له بالزواج من امرأة الابن الدعي، متى فارقها وأنهت عدتها، لأنها بالنسبة إليه زوجة أجنبي عنه، وليست زوجة ابنه الحقيقي، والمحرم على الآباء هو الزواج بزوجات أبنائهم الحقيقيين من الصلب، لا زوجات أدعيائهم الذين وقع تبنيهم وليسوا من أبنائهم الأصليين، مصداقا لقوله تعالى فيما سبق من سورة النساء ( ٢٣ ) : وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ويلحق بهم الأبناء من الرضاع، إذ ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ).
وعن هذه النازلة الفريدة المليئة بالعبر تحدث كتاب الله مخاطبا رسوله الصادق الأمين الذي لا يكتم وحي ربه ولا يمين، مبينا ما تضمنته من حكم وأحكام، فقال تعالى : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك، واتق الله، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه، فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، وكان أمر الله مفعولا( ٣٧ ) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له، سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدرا مقدورا( ٣٨ ) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، وكفى بالله حسيبا( ٣٩ ) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيئين، وكان الله بكل شيء عليما( ٤٠ ) .
والمراد ( بالذي أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله ) هو زيد بن حارثة، فقد أنعم الله عليه بالسبق إلى الإيمان، وخصه من بين الصحابة بذكر اسمه الصريح في القرآن، وأكرمه بالشهادة في سبيل الله والفوز بنعيم الرضوان، وقد أنعم عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالعتق والحرية، والكفالة والتربية، وبتزويجه ببنت عمته القرشية، وتنصيبه أميرا على المجاهدين في جميع السرايا التي بعثه فيها، وآخرها غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة.


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير