أهل بيت النبوة، وما يجب أن يكونوا عليه رجالا ونساء، وأن يعملوا جاهدين على تحقيق تلك الأصناف، وألا يتكلوا على قربهم من النبي صلّى الله عليه وسلّم والله أعلم بكتابه.
إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، وهذا ترتيب حسن، فالإسلام قول باللسان وعمل بالجوارح، ثم إذا ثبت ورسخ كان الإيمان والاعتقاد والتصديق الكامل، ثم بعد هذا عمل متواصل، وقنوت لله وخضوع وإخلاص، ثم بعد أن كمل نفسه بالشهادة والإيمان والعمل يدعو غيره صادقا في دعواه، وأنها لله لا للدنيا ولا لشيء.
والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات.
نعم فبعد الصدق في الدعوة لله إيذاء وإيلام، ولا ينفع صاحبها إلا الصبر، وهل هو يكون متواضعا أم لا؟ فقال: والخاشعين والخاشعات، ثم بعد هذا يتصدق بما تجود به نفسه، جذبا للقلوب، وإرضاء للنفوس.
وهو دائما يؤدب نفسه ويهذبها بالصيام حتى يكبح جماحها، ويردها عن غيها، ويحفظ فرجه من ثورات الشهوة الجامحة، وهل هم في هذا كله يذكرون الله أم لا؟
فقال: هم يذكرون الله، ولا ينسونه أبدا، يذكرونه بقلوبهم، ألا بذكر الله تطمئن القلوب!! هؤلاء الذين تحقق فيهم هذا الوصف الجامع أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما جزاء بما كانوا يعملون..
قصة زينب بنت جحش مع زيد بن حارثة [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)
المفردات:
الْخِيَرَةُ: الاختيار مُبْدِيهِ: مظهره وَطَراً الوطر: كل حاجة المرء له فيها همة، والمراد، بلغ ما أراد من حاجته منها حَرَجٌ: ضيق وإثم.
المعنى:
زيد بن حارثة بن شرحبيل كان عبدا لخديجة فوهبته للنبي صلّى الله عليه وسلّم فأعتقه وتبناه فكان يدعى زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فقيل: زيد بن حارثة.
وزينب هذه بنت جحش، وأخوها عبد الله بن جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهي من ذؤابة قريش.
روى أن رسول الله خطب زينب بنت عمته فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما تبين أنه يريدها لزيد كرهت ذلك وامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها ومكانتها من قريش وأن زيدا كان بالأمس عبدا، فلما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ رضيا وقال أخوها: مرني بما شئت، فزوجها رسول الله لزيد.
نعم ليس لمؤمن ولا مؤمنة- بهذا الوصف- إذا أمر الله- عز وجل- ورسوله صلّى الله عليه وسلّم بأمر أن يعصياه بحال ولا ينبغي منهم ذلك، فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو حريص عليهم وبهم رءوف رحيم، ومن يختر خلاف أمر الله ورسوله فقد عصى وضل ضلالا مبينا يستحق عليه إثما كبيرا.
هذه المرأة التي أكرهت على الزواج من زيد لأنها شريفة وهو عبد أعتق، ولم تقبل إلا امتثالا لأمر الله ورسوله، ماذا تنتظر منها؟ مهما كان إيمانها! إنها إنسانة ومعها نفس لوامة، فلم تعاشر زيدا معاشرة الأزواج، وكانت له كارهة وعليه متعالية، وزيد رجل عزيز بالإيمان يعتقد أن أكرم الناس عند الله الأتقياء، وأنه لا فضل لإنسان على آخر إلا بالتقوى، لهذا كانت حياتهما الزوجية غير سعيدة، وكان زيد يشكو منها لرسول الله كثيرا.
روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان قد أوحى إليه: أن زيدا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي صلّى الله عليه وسلّم من خلق زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جهة الأدب والوصية: «اتّق الله في قولك هذا وأمسك عليك زوجك»
وهو يعلم أنه سيفارقها زيد ويتزوجها هو- وهذا ما أخفاه النبي في نفسه- ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها وخشي الرسول من كلام المنافقين وقولهم: إن محمدا تزوج زينب بعد زيد وهو مولاه.
وقد عاتبه الله على هذا القدر حيث خشي الناس في شيء قد أباحه الله له لحكمة عالية وعلة سيذكرها القرآن لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ وعاتبه ربه حيث قال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله مع علمه بأنه سيطلق، وحيث خشي الناس والله أحق بالخشية في كل حال.
وليس في أمر النبي لزيد بالإمساك وعدم الطلاق- مع علمه بأنه مطلق حتما- شيء، فالله يأمر الناس جميعا بالإيمان، وقد علم أن منهم المؤمن المستجيب والكافر الذي يستحيل عليه أن يجيب، وإنما أمره ليقطع عذره، ويقيم عليه حجته.
ولما انقضت عدة زينب خطبها رسول الله ودخل بها بغير إذن ولا عقد ولا صداق لأن الله زوجها له من فوق سبع سموات.
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ- مواليهم ومن تبنوهم- إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وكان أمر الله في كل شيء مفعولا لا محالة إذ هو صاحب الأمر، وإليه يرجع الأمر كله.
ما كان على النبي من حرج وليس عليه إثم ولا ضيق في كل شيء فرضه الله وسنه له وهكذا الأنبياء جميعا، وتلك سنة الله في الذين خلوا من قبله من الأنبياء، وكان أمر الله قدرا مقدرا من لدن الحكيم الخبير، والعليم البصير، هؤلاء الأنبياء هم الذين يبلغون رسالات ربهم متوكلين عليه لا يخشون أحدا غيره، وهذا شأن المؤمن الصادق، فما بال الأنبياء والمرسلين؟! وكفى بالله حسيبا ورقيبا، وهو على كل شيء شهيد.
أيها الناس: ليس محمد أبا أحد من رجالكم حتى تقولوا: كيف يتزوج محمد زوجة ابنه ومولاه؟ ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين وإمام المرسلين لا نبي بعده به ختمت الرسالات، وإليه انتهى الوحى من السماء، وانقطعت الأوامر الإلهية اكتفاء بالأمر الدائم والدستور المحكم الذي أنزل من لدن حكيم خبير على النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وكان الله بكل شيء عليما فجعل محمدا خاتم الأنبياء ورسالته عامة شاملة كاملة فيها الخير إلى يوم القيامة.
ومن المؤسف أن تندس في كتب التفسير أقوال تنسب إلى أكابر العلماء، والله يعلم أنهم برآء، أو هي في الواقع سموم إسرائيلية، وضعها من أسلم من اليهود عن حسن قصد أو عن سوئه، ومنها ما قيل في تفسير هذه الآيات من نسبة أمور لا تليق بأى رجل عادى فضلا عن أشرف الخلق المشهود له من كافة الناس أنه رجل صادق ذو خلق.
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [سورة القلم آية ٤].
قالوا: إن محمدا رأى زينب فأحبها ثم كتم هذا الحب، ثم لم يجد بدا من إظهاره
فأظهره، ورغب في زينب فطلقها زوجها وتزوجها، وزعموا أن العتاب في الآية لكتمان حبه لزينب.
ونظرة بسيطة إلى تاريخ زينب وظروفها في زواج زيد تجعلنا نؤمن بأن سوء العشرة التي كانت بين زينب وزيد إنما هو من اختلافهما اختلافا بينا في الحالة الاجتماعية فزينب شريفة، وزيد كان بالأمس عبدا. وقد أراد الله امتحانها بزواج زيد لتحطيم مبدأ العصبية القبلية والشرف الجاهلى، وجعل الشرف في الإسلام والتقوى فخضعت زينب مكرهة، وأسلمت لزيد جسدها دون روحها فكان الألم والضيق.
ومحمد هذا كان يعرف زينب من الصغر لأنها ابنة عمته فمن كان يمنعها منه؟ وكيف يقدم إنسان امرأة لشخص وهي بكر، حتى إذا تزوجها وصارت ثيبا رغب فيها؟
لا يا قوم: تعقلوا ما تقولون. وتفهموا الحق لوجه الحق تدركوه بلا تلبيس ولا تشويش.
وانظر إليهم وهم يقولون: إن الذي أخفاه محمد هو حبه لزينب ولهذا عوتب، وهل يعاتب الشخص لأنه لم يجاهر بحبه لامرأة جاره؟! ولكن الحق هو أن هذا الزواج كان امتحانا في أوله لزينب وأخيها حيث أكرها على قبول زيد، وفي النهاية كان امتحانا قاسيا للنبي صلّى الله عليه وسلّم حيث يؤمر به، ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد، والحكمة- كما نطق القرآن- هو تحطيم مبدأ كان معمولا به ومشهورا عند العرب هو تحريم زواج امرأة الابن من التبني كتحريمها إذا كان الابن من النسب، ولتغلغل العادة في النفوس جاء هدمها على يد النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى يد زيد بن حارثة مولاه.
فالذي كان يكتمه النبي صلّى الله عليه وسلّم في نفسه تأذيه من هذا الزواج المفروض وتراخيه في إنفاذ أمر الله به وخوفه من لغط الناس- وبخاصة المنافقين- عند ما يجدون نظام التبني قد انهار بعد ما ألفوه، ولهذا فقد عوتب.
هذه الحادثة تلقفها المستشرقون ومن على شاكلتهم من المسلمين، وخبوا فيها ووضعوا وأباحوا لأنفسهم الخوض في الأعراض، والتكلم في حق النبي صلّى الله عليه وسلّم وتصويره بصورة يترفع عنها كثير من الناس، وكان سندهم في ذلك كله ما نقلته كتب التفسير
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي