ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ ﰂﰃﰄ ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ

أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي».
ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشّرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشّرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة».
وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا نبوة بعدي إلا ما شاء الله» قال ابن عبد البر: يعني الرؤيا- والله أعلم- التي هي جزء منها كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة».
وإتمام النبوات مشابه لإتمام الأخلاق،
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وهذا كله رد قاطع على المتنبئين كالأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذّاب باليمامة، وسجاح، وغيرهم من أدعياء النبوة الأفاكين، كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء ٢٦/ ٢٢١- ٢٢٢].
تعظيم الله تعالى وإجلاله بالأذكار والتسابيح الكثيرة
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)

صفحة رقم 39

البلاغة:
بُكْرَةً وَأَصِيلًا بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً أي في أغلب الأوقات، ويشمل مختلف أنواع التقديس والتمجيد والتهليل والتحميد وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ أي بالرحمة وَمَلائِكَتُهُ بالاستغفار لكم، والاهتمام بما يصلحكم، والمراد بالصلاة المشتركة بين الله وملائكته: هو العناية بصلاح أمركم، وظهور شرفكم ورفعة شأنكم لِيُخْرِجَكُمْ ليديم إخراجه إياكم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً أي كان الله وما يزال رحيما بعباده المؤمنين، حتى اعتنى بصلاح أمرهم ورفع قدرهم وهو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة تَحِيَّتُهُمْ أي تحية الله للمؤمنين بلسان الملائكة هي السلام، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي يحيّون يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ يوم لقائه عند الموت أو الخروج من القبر، أو دخول الجنة سَلامٌ إخبار بالسلامة من كل مكروه وآفة وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً هي الجنة.
سبب النزول: نزول الآية (٤٣) :
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي..: أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب ٣٣/ ٥٦] قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ما أنزل الله تعالى عليك خيرا إلا أشركنا فيه، فنزلت:
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ.
المناسبة:
بعد بيان ما ينبغي أن يكون عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم مع الله وهو التقوى والإخلاص، وما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وأقاربه بقوله تعالى: يا أَيُّهَا

صفحة رقم 40

النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ
وهو تحقيق الحرية والاستقرار الزوجي، أمر الله تعالى عباده المؤمنين بما أمر به أنبياءه المرسلين من تعظيم الله وإجلاله بذكره وتسبيحه في أغلب الأوقات ومختلف أنواع الطاعات، بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ليحقق لهم أجزل الثواب ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بكثرة ذكر ربهم تبارك وتعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم، لينالوا جزيل الثواب وجميل المآب، فيقول:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي يا أيها الذين أيقنوا وصدقوا بالله ورسوله اذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم ذكرا كثيرا، يملأ عليكم مشاعركم، في جميع الأحوال، ويحقق في نفوسكم خشية ربكم، ونزهوه عن كل ما لا يليق به أول النهار وآخره، أي في غالب الأوقات لأن بداية الشيء ونهايته تشمل وسطه أيضا بحكم الاستمرار، قال الزمخشري في تفسير بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي في كافة الأوقات. وإنما ذكر هذان الوقتان لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ذكر الله على فم كل مسلم»
وروي «في قلب كل مسلم»
وعن قتادة: «قولوا: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال صلّى الله عليه وسلّم:
ذكر الله عز وجل»
.

صفحة رقم 41

ونظير الآية في وصف المؤمنين: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران ٣/ ١٩١].
وقرن التسبيح بالذكر معناه: إذا ذكرتم الله تعالى، فينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء، وهو المراد بالتسبيح.
ثم حرّض تعالى على الذكر والتسبيح وأبان سببه فقال:
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً أي إن الله ربكم الذي تذكرونه وتسبحونه هو الذي يرحمكم، وملائكته تستغفر لكم، وهو بهذه الرحمة يريد هدايتكم وإخراجكم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الحق والهدى والإيمان، وكان ربكم وما يزال رحيما تام الرحمة بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصّرهم الطريق الذي حاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم، وأما في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته أن يتلقوهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.
ومن مظاهر رحمته تعالى
ما ورد في صحيح الإمام البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أترون هذه تلقي ولدها في النار، وهي تقدر على ذلك؟ قالوا: لا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
فو الله الله أرحم بعباده من هذه بولدها»
.
ثم ذكر تعالى دليل رحمته الشامل في الآخرة وعنايته فيها بعد بيان عنايته في الدنيا، فقال:

صفحة رقم 42

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ: سَلامٌ، وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً تحيتهم من الله تعالى بواسطة ملائكته يوم لقائه في الآخرة هو السلام، كما قال تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس ٣٦/ ٥٨] وقال عز وجل: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد ١٣/ ٢٣- ٢٤].
وهيّأ لهم ثوابا حسنا في الآخرة وهو الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والملاذّ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- الحض على ذكر الله وشكره على نعمه، وتسبيحه في معظم الأحوال بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، دون تقدير بقدر معين أو تحديد بحد، ليسهل الأمر على العبد، وليعظم الأجر فيه.
روى أحمد وأبو يعلى وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون».
٢- إسباغ الرحمة الإلهية على المؤمنين وتسخير الملائكة للاستغفار لهم، بقصد هدايتهم وإخراجهم من ظلمة الكفر والجهل إلى نور الهدى واليقين.
والصلاة من الله على العبد: هي رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة:
دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر ٤٠/ ٧].
قال ابن عباس: لما نزل إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب ٣٣/ ٥٦] قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصّة، وليس لنا فيه شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ...

صفحة رقم 43

وقال القرطبي: وهذه نعمة من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم ودليل على فضلها على سائر الأمم، وقد قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران ٣/ ١١٠].
ذكر النحاس حديثا: أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أيصلّي ربّك جلّ وعزّ؟ فأعظم ذلك فأوحى الله جل وعز: «إن صلاتي بأن رحمتي سبقت غضبي».
٣- قوله تعالى: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الضلالة إلى الهدى: معناه التثبيت على الهداية لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية.
وقوله: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً إخبار برحمته تعالى للمؤمنين وتأنيس لهم، فهو يرحمهم في الدنيا بهدايتهم إلى الحق، ويؤمنهم من عذاب الله يوم القيامة، وتكون تحية الله لهم يوم القيامة بعد دخول الجنة: سلام، أي سلامة من عذاب الله، وقيل: عند الموت وقبض الروح.
قال ابن كثير: الظاهر أن المراد- والله أعلم- تحيتهم، أي من الله تعالى يوم يلقونه: سلام، أي يوم يسلم عليهم، كما قال عز وجل: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس ٣٦/ ٥٨]. وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. وكذا قال القرطبي:
تَحِيَّتُهُمْ أي تحية بعضهم لبعض، ويؤيده قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس ١٠/ ١٠].

صفحة رقم 44

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية