ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بكثرة الذكر لربهم تبارك وتعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب، روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :« » ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم «؟ قالوا : وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ :» ذكر الله عزَّ وجلَّ « ».
وعن عبد الله بن بشر قال :« جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ، فقال أحدهما : يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ :» من طال عمره وحسن عمله «، وقال الآخر : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا فمرني بأمر أتشبث به، قال ﷺ :» لا يزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى « » وفي الحديث :« أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون »، وقال رسول الله ﷺ :« ما من قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة »، وقال ابن عباس في قوله تعالى : اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة، إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذب غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على تركه فقال : فاذكروا الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ [ النساء : ١٠٣ ] بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال عزَّ وجلَّ : وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله تعالى كثرة جداً.
وقوله تعالى : وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً أي عند الصباح والمساء، كقوله عزَّ وجلَّ : فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم : ١٧ ]، وقوله تعالى : هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ هذا تهييج إلى الذكر، أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله عزَّ وجلَّ : فاذكروني أَذْكُرْكُمْ واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [ البقرة : ١٥٢ ]، وقال النبي صلى الله عليه سلم :« يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » والصلاة من الله تعالى : ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية، وقال غيره : الصلاة من الله عزَّ وجلَّ : الرحمة، وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله تبارك وتعالى : الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم

صفحة رقم 2039

[ غافر : ٧ ]، وقوله تعالى : لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور أي بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق وبصّرهم الطريق، الذي ضل عنه الدعاة إلى الكفر أو البدعة، وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم. روى الإمام البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي، قد أخذت صبياً لها، فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم :« » أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك «؟ قالوا : لا، قال رسول الله ﷺ :» فوالله، للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها « »، وقوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ أي تحيتهم من الله تعالى يوم يلقونه سلام، أي يوم يسلم عليهم، كما قال عزَّ وجلَّ : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [ يس : ٥٨ ] وقال قتادة : المراد أنهم يحيي بعضهم بعضاً بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. ( قلت ) وقد يستدل بقوله تعالى : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين [ يونس : ١٠ ]، وقوله تعالى : وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً يعني الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ والمناظر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

صفحة رقم 2040

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية