و يوم في قوله : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار ظرف لقوله : لا يجدون ، وقيل : ل خالدين ، وقيل : ل نصيرا ، وقيل : لفعل مقدر، وهو اذكر.
قرأ الجمهور تقلب بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول. وقرأ عيسى الهمداني وابن أبي إسحاق " نقلب " بالنون، وكسر اللام على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقرأ عيسى أيضاً بضم التاء وكسر اللام على معنى : تقلب السعير وجوههم. وقرأ أبو حيوة وأبو جعفر وشيبة بفتح التاء واللام على معنى : تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية : هو تقلبها تارة على جهة منها، وتارة على جهة أخرى ظهراً لبطن، أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسودّ تارة وتخضرّ أخرى، أو تبديل جلودهم بجلود أخرى، فحينئذ يَقُولُونَ يا ليتنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا والجملة مستأنفة كأنه قيل : فما حالهم ؟ فقيل : يقولون، ويجوز : أن يكون المعنى : يقولون يوم تقلب وجوههم في النار يا ليتنا إلخ. تمنوا أنهم أطاعوا الله والرسول، وآمنوا بما جاء به ؛ لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون، وهذه الألف في الرسولا والألف التي ستأتي في السبيلا هي : الألف التي تقع في الفواصل، ويسميها النحاة ألف الإطلاق، وقد سبق بيان هذا في أوّل هذه السورة.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال : كان رجل من المنافقين يتعرّض لنساء المؤمنين يؤذيهنّ، فإذا قيل له قال : كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زيّ الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلاّ إحدى عينيها ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ يقول : ذلك أحرى أن يعرفن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال : أمر الله نساء المؤمنات إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههنّ من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أمّ سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأن رؤوسهنّ الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، هكذا في الزوائد بلفظ من السكينة، وليس لها معنى، فإن المراد تشبيه الأكسية السود بالغربان، لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال : كأن على رؤوسهم الطير. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت يا أيها النبي قُل لأزواجك الآية. شققن مروطهن، فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهنّ الغربان. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : كانت الحرّة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين : أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب : أن تقنع وتشدّه على جبينها.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب في قوله : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون يعني المنافقين بأعيانهم والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ شك : يعني المنافقين أيضاً. وأخرج ابن سعد أيضاً عن عبيد بن جبير قال : الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة هم المنافقون جميعاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ قال : لنسلطنك عليهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني