الآية الثانية : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا [ الأحزاب : ٩- ١٠ ].
٧٤٩- ابن العربي : قال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من المدينة، وذلك قوله : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ، قال : ذلك يوم الخندق، جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هاهنا، والنجدية من هاهنا. ١
قال ابن وهب، وابن القاسم عن مالك : كانت وقعة الخندق سنة أربع هي وبنو قريظة في يوم واحد وبين بني قريصة والنصير أربع سنين.
قال ابن وهب : قال مالك بلغني٢ أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال لسعد بن معاذ في بني قريظة حين نزلت على حكم سعد، وجاء ليحكم فيهم، وهو على أتان، فمر به حتى لقيه عبد الله بن أبي المنافق- قال : أنشدتك الله يا سعد في إخواني وأنصاري، ثلاثمائة فارس وستمائة راجل، فإنهم جناحي، وهم مواليك وحلفاؤك.
فقال سعد : قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فحكم فيهم سعد أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :( لقد حكم فيهم سعد بحكم الملك ).
فأتى ثابت بن قيس بن شماس إلى ابن باطا، وكانت له عنده يد، وقال قد استوهبتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدك التي لك عندي.
قال : كذلك يفعل الكريم بالكريم. ثم قال : وكيف يعيش رجل لا ولد له ولا أهل ؟ قال : فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأعطاه أهله وولده. فأتاه فأعلمه ذلك، فقال : وكيف يعيش رجل لا مال له ! فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبه، فأعطاه ماله. فرجع إليه فأخبره، فقال : ما فعل ابن أبي الحقيق الذي كأن وجهه مرآة صينية ؟ قال : قتل. قال : فما فعل المجلسان- يعني بني قريضة وبني عمرو بن قريضة ؟ قال : قتلوا. قال : فما فعلت القينتان٣ ؟ قال : قتلتا. قال : برئت ذمتك، ولن أصب فيها دلوا أبدا - يعني النخل- فألحقني بهم، فأبى أن يقتله فقتله غيره. وكذلك قال ابن القاسم عنه- يعني مالكا.
وقال ابن وهب عن مالك : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين توفي سعد : نخشى أن نغلب عليك، كما غلبنا على حنظلة. قال : وكان قد أصيب في أكحله٤، فانتقله النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها، ثم يزلفه البرد ذلك اليوم، فيأتي فيضطجع في حجري، ثم يقوم حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذا ؟ فقال : سعد بن أبي وقاص، جئتك لتأمرني بأمرك فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت في تلك الثغرة.
قالت عائشة : ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري حتى سمعت غطيطه٥ وكانت عائشة لا تنساها لسعد.
قال مالك : وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من آخر النهار، فاغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام قال : أوضعت اللامة أو لم تضعها ؟ إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة.
قال ابن القاسم عن مالك : وقسم قريظة سهمانا، فأما النظير فقسمها للمهاجرين الأولين، لثلاثة نفر من الأنصار، وهم سهل بن حنيف، وأبو دجانة، والحارث بن الصمة.
قال مالك : وكانت النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
قال ابن وهب : قال مالك : وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين يوم الخندق وهم يرتجزون :
| اللهم لا خير إلا خير الآخرة | فاغفر للأنصار والمهاجرة٦ |
قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله. قال الله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له .
وعن ابن القاسم مثله. وقال مالك : لم يستشهد يوم الخندق من المسلمين إلا أربعة أو خمسة.
قال ابن وهب : وسمعت مالكا يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة الأنصاري وعباد بن بشير وأبا عباس الحارثي، ورجلين آخرين إلى كعب بن الأشرف اليهودي ليقتلوه، فبلغني أنهم قالوا : يا رسول الله، أتأذن لنا أن ننال منك إذا جئناه. فأذن لهم. فخرجوا نحوه ليلا، فلما جاؤوه نادوه ليطلع إليهم، وكان بين عباد بن بشير وبين ابن الأشرف رضاع، فقالت له امرأته : لا تخرج، فإني أخاف عليك. فقال : والله لو كنت نائما ما أيقظوني.
فخرج إليهم، فقال : ما شأنكم ؟ فقالوا جئنا لتسلفنا شطر وسق من تمر، ورقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : أما والله لقد كنت نهيتكم عنه، ثم قال بعضهم : إنا لنجد منك ريح عبير.
قال : فأدنى إليهم رأسه، وقال : شموا، ذلك حين ابتدروه فقتلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تلك الليلة إني لأجد ريح دم كافر ).
قال ابن وهب : قال مالك : سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان انتقل إليه سعد بن معاذ يوم الخندق حين أصابته الجراح في عنده في المسجد، فكان فيه، وكان جرحه ينفجر، ثم يفيق منه، فخرج منه دم كثير، حتى سال في المسجد فمات منه.
وبلغني أن سعد بن معاذ مر بعائشة رضي الله عنها ونساء معها في خص الأطم الذي يقال له فارع، وعليه درع مقلصة، مشمر الكمين، وبه أثر صفرة وهو يرتجز :
| لبث قليلا يشهد الهيجا حمل | لا بأس بالموت إذا حان الأجل |
روى ابن وهب، وابن القاسم، عن مالك، قالت عائشة : ما رأيت رجلا أجمل من سعد ابن معاذ، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصيب في أكحله، ثم قال : اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منها شيء فاقبضني إليك، وإن كان قد بقيت منها بقية فأبقني، حتى أجاهد مع رسولك أعداءه.
فلما حكم في بني قريظة توفي، ففرح الناس بذلك، وقالوا : نرجو أن تكون قد استجيبت دعوته.
قال ابن وهب، وقال مالك : وقال سعد : اللهم إنك تعلم أني كنت أحب أن يقتلني قوم بعثت فيهم نبيك فكذبوه وأخرجوه، فإن كنت تعلم أن الحرب قد بقيت بيننا وبينهم فأبقني، وإن كنت تعلم أنها لم يبق منها شيء، فاقبضني إليك، فلما توفي سعد تباشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
وقال ابن القاسم عن مالك : حدثني يحيى بن سعيد : لقد نزل بموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما نزلوا الأرض قبلها.
٢ - قال سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قوي. المدارك: ١/١٦٥..
٣ - في القرطبي: الفئتان: ١٣٥-١٢٨..
٤ - الأكحل: عرق من اليد أو هو عرق الحياة. القاموس..
٥ - غط في نومه يغط غطيطا: نخر. اللسان: غطط..
٦ - ينظر: صحيح مسلم: ٥/١٨٩، باب غزوة الأحزاب، وهي الخندق. كتاب الجهاد والسير..
٧ -الأكحل: عرق في اليد أو هو عرق الحياة، القاموس..
تفسير الإمام مالك
أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني