الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا .
فِيهَا أَحْكَامٌ وَسِيَرٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مَالِكٌ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ، وَالْأَحْزَابِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَتْ حَالَ شِدَّةٍ، مُعَقَّبَةٌ بِنِعْمَةٍ، وَرَخَاءٍ وَغِبْطَةٍ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً، وَيَقْتَضِي مَسَائِلَ ثَلَاثًا :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ :( أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِتَالِ من الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : إذْ جَاءُوكُمْ من فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَ : ذَلِكَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ )، جَاءَتْ قُرَيْشٌ من هَاهُنَا، وَالْيَهُودُ من هَاهُنَا، وَالنَّجْدِيَّةُ من هَاهُنَا، يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا من فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : كَانَتْ وَقْعَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَهِيَ وَبَنُو قُرَيْظَةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ أَرْبَعُ سِنِينَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ خَمْسٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، وَجَاءَ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ، وَهُوَ عَلَى أَتَانٍ، فَمَرَّ بِهِ حَتَّى لَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ قَالَ : أَنْشَدْتُك اللَّهَ يَا سَعْدُ فِي إخْوَانِي وَأَنْصَارِي، ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتُّمِائَةِ رَاجِلٍ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحِي، وَهُمْ مَوَالِيك وَحُلَفَاؤُك.
فَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِحُكْمِ الْمَلِكِ ). زَادَ غَيْرُهُ : من فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ.
فَأَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إلَى ابْنِ بَاطَا، وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ يَدٌ، وَقَالَ : قَدْ اسْتَوْهَبْتُك من رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدِك الَّتِي لَك عِنْدِي.
قَالَ : كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْكَرِيمُ بِالْكَرِيمِ. ثُمَّ قَالَ : وَكَيْفَ يَعِيشُ رَجُلٌ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا أَهْلَ ؟ قَالَ : فَأَتَى ثَابِتٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْطَاهُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ. فَأَتَاهُ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ : وَكَيْفَ يَعِيشُ رَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ، فَأَتَى ثَابِتٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَبَهُ، فَأَعْطَاهُ مَالَهُ. فَرَجَعَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ ؟ قَالَ : قُتِلَ. فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ، وَبَنِي عَمْرِو ابْنِ قُرَيْظَةَ ؟ قَالَ : قُتِلُوا. قَالَ : فَمَا فَعَلَتْ الْقَيْنَتَانِ ؟ قَالَ : قُتِلَتَا. قَالَ : بَرِئَتْ ذِمَّتُك، وَلَنْ أَصُبَّ فِيهَا دَلْوًا أَبَدًا - يَعْنِي النَّخْلَ - فَأَلْحِقْنِي بِهِمْ، فَأَبَى أَنْ يَقْتُلَهُ وَقَتَلَهُ غَيْرُهُ ).
وَالْيَدُ الَّتِي كَانَتْ لِابْنِ بَاطَا عِنْدَ ثَابِتٍ أَنَّهُ أَسَرَهُ يَوْمَ بُعَاثٍ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ تُوُفِّيَ سَعْدٌ :( نَخْشَى أَنْ نُغْلَبَ عَلَيْك، كَمَا غُلِبْنَا عَلَى حَنْظَلَةَ. قَالَ : وَكَانَ قَدْ أُصِيبَ فِي أَكْحَلِهِ، فَانْتَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ ).
وَكَانَتْ عَائِشَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَاهَدُ ثَغْرَةً من الْجَبَلِ يُحَافِظُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يُزْلِفُهُ الْبَرْدُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَيَأْتِي فَيَضْطَجِعُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ يَقُومُ، فَسَمِعْت حِسَّ رَجُلٍ عَلَيْهِ حَدِيدٌ وَقَدْ أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، جِئْتُك لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِك. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ فِي تِلْكَ الثَّغْرَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِي حَتَّى سَمِعْت غَطِيطَهُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تَنْسَاهَا لِسَعْدٍ قَالَ مَالِكٌ : وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من آخِرِ النَّهَارِ، فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : أَوَضَعْت اللَّأْمَةَ أَوْ لَمْ تَضَعْهَا ؟ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تَخْرُجَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : وَقَسَمَ قُرَيْظَةَ سُهْمَانًا، فَأَمَّا النَّضِيرُ فَقَسَمَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلِثَلَاثَةِ نَفَرٍ من الْأَنْصَارِ ؛ وَهُمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ قَالَ مَالِكٌ : وَكَانَتْ النَّضِيرُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ :
| اللَّهُمَّ إلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ | فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ |
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ .
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يُسْتَشْهَدْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ من الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اسْتَشْهَدَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ من الْمُسْلِمِينَ سِتَّةُ نَفَرٍ : سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. وَمِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ من بَنِي سَلَمَةَ : الطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمَةَ رَجُلَانِ من بَنِي سَلِمَةَ، وَكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ من بَنِي النَّجَّارِ. وَقُتِلَ من الْكُفَّارِ ثَلَاثَةٌ : مُنَبِّهَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَنَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ فَتَوَرَّطَ فِيهِ، فَقُتِلَ. فَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَسَدِهِ، فَرُوِيَ عن الزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ أَعْطَوْا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَسَدِهِ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ : لَا حَاجَةَ لَنَا بِجَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ. فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ. وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قَتَلَهُ عَلِيٌّ فِي الْمُبَارَزَةِ، اقْتَحَمَ عن فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَتَنَازَلَا، فَغَلَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ :
| نَصَرَ الْحِجَارَةَ من سَفَاهَةِ رَأْيِهِ | وَنَصَرْت رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابِ |
| فَصَدَدْت حِينَ تَرَكْته مُتَجَدِّلًا | كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكَ وَرَوَابِي |
| وَعَفَفْت عن أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنَّنِي | كُنْت الْمُقَطِّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي |
| لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ | وَنَبِيَّهُ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ |
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : سَمَّيْت بِهِ، لَمْ يَشْهَدْ بَد
أحكام القرآن
ابن العربي