ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

يأيها الذين آمنوا أذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ظرف لنعمة جنودا أي كفار قريش وغطفان ويهود قريظة كانوا زهاء اثني عشر ألف حتى حاصروا المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم خندقا حولهم فأرسلنا عليهم ريحا يعني الصبا روى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " ١ أرسل الله عليهم ريحا باردة في ليلة شاتية فقطعت الأوتاد وأطناب الفساطيط وأطفأت النيران وأكفأت القدور وجالت الخيل بعضها في بعض " وجنودا من الملائكة لم تروها حتى كثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم وألقى الرعب في قلوبهم حتى كان سيد كل قوم يقول يا بني فلان هلموا إلي فإذا اجتمعوا عنده قال النجاء النجاء أبيتم فانهزموا من غير قتال ولم تقاتل الملائكة يومئذ وكان الله بما تعملون أيها المؤمنون من حفر الخندق والتهييء للقتال هذا على قراءة الجمهور وأما على قراءة البصريين فالمعنى وكان الله بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة بصيرا رائيا وكان ذلك الوقعة في شوال سنة أربع من الهجرة كذا في مواهب اللدنية من قول موسى بن عقبة بعد ثمانية أشهر من إجلاء بني النضير وكان إجلاؤهم وتفرقهم في البلاد ولحوق سلام بن أبي الحقيق وكناية بن الربيع وحيي بن أخطب وغيرهم بخيبر في ربيع الأول سنة أربع والمشهور أنه في شوال سنة خمس من الهجرة كذا قال محمد بن إسحاق.
قال البغوي قال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير وعن عبد الله بن كعب بن مالك وعن الزهري وعاصم بن عمرو بن قتادة وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وغيرهم من علمائنا دخل حديث بعضهم بعضا أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن وائل ( وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقال لهم قريش يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا خير أم دينه ؟ قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه ( قال فهم الذين أنزل الله فيهم : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت إلى قوله وكفى بجهنم سعيرا فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قولوا ونشطوا إلى ما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجمعوا لذلك ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس بن غيلان فدعوهم على ذلك واخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وأن قريشا قد بايعوهم فأجابوهم.
قلت " روى أنه كان رجال بني نضير وبني وائل نحوا من عشرين رجلا فقال لهم أبو سفيان بن حرب مرحبا بكم أحب الرجال عندنا من عاهدنا على عداوة محمد فقالوا لأبي سفيان اختر لنا خمسين رجلا من بطون قريش وتكون منهم حتى ندخل نحن وانتم في أستار الكعبة ونلزق صدورنا بجدران الكعبة ثم نحلف على أن نتفق على عداوة محمد وتكون كلمتنا واحدة ونتعاهد على أن نحارب محمدا ما بقي منا رجل واحد ففعلوا ذلك ولما قدم اليهود على غطفان بعد المعاهدة مع قريش حرضوهم على القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم ووعدوهم على ذلك بتمر سنة ما كان على نخيل خيبر وقيل بنصف ذلك فأجاب عيينة بن حصين الفزاري رئيس غطفان قولهم بذلك الشرط أي بشرط إعطاء تمر سنة وكتب عيينة إلى حلفائه من بني أسد فجاءوا عنده قال البغوي فخرجت قريش قائدهم أبو سفيان بن حرب وغطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في بني فزارة والحارث بن عوف بن أبي حارثة المزي في بني مرة ومسعر بن رحيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع قلت روي أن أبا سفيان جمع العسكر أربعة آلاف رجل وأعطى رايته عثمان بن أبي طلحة وكان في عسكرهم ثلاث مائة فرس وألف بعير حين خرجوا من مكة ونزلوا من الظهران واجتمع هناك أسلم وأشجع وبنو كنانة وفزارة وغطفان حتى صاروا عشرة آلاف وساروا بأجمعهم على المدينة ولذلك سمى غزوة الأحزاب.
قال البغوي فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة وكان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر فقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحكموه قلت : روى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع الخبر قال حسبنا الله ونعم الوكيل وجمع أسراء المهاجرين والأنصار واستشارهم في ذلك وأشار سلمان بضرب الخندق فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج غازيا وأعطى لواء المهاجرين زيد بن حارثة ولواء الأنصار سعد بن عبادة وخرج معه ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار قلت : روي أن معهم ستة وثلاثون فرسا وخرج معه صبيان لم يبلغوا الحلم فردهم على المدينة من كان منهم لم يبلغ خمسة عشر سنة وأجاز منهم للقتال من كان منهم ابن خمسة عشر سنة منهم عبد الله بن عمرو وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وبراء بن عازب فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعا لأجل الخندق في بعض أطراف المدينة فاختار موضعا بقرب جبل سلع جعل جبل سلع على ظهر العسكر و خط خطا للخندق بينه وبين الكفار قال البغوي أخبرنا عن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب ثم قطع لكل عشر أربعين ذراعا قال احتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سلمان منا أهل البيت "
قال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا بجنب ذي باب اخرج الله من بطن الخنق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا فقلت يا سلمان أرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة فإن رأى أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية قال فخرجت صخرة بيضاء من مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيبك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمرك فأنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة التي في الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لأبتيها حتى لكأن مصباحا في بيت جوف مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لأبتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها فأخذ بيد سلمان ورقى فقال سلمان بأبي أنت يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم قال ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربة الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمرة من الروم كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد الله الذي موعده صدق وعدنا النصر بعد الحصر فقال المنافقون ألا تعجبون من محمد يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الغرق لا تستطيعون أن تبرزوا قال فنزل القرآن وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا١٢ ٢ وأنزل في هذه القصة قل اللهم ملك الملك الآية.
روى البخاري في الصحيح عن أنس قال :" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال :
إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له :
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا " ٣
وروى أيضا في الصحيح عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى على الغبار جلد بطنه وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا عينا إذا أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد صوته بآخرها وفي رواية والله لولا الله ما اهتدينا إلى آخره قلت : روى أن سلمان كان رجلا قويا يعمل في الخندق عمل عشرة من الرجال ويروى أنه كان يحفر الخندق كل يوم خمسة أذرع في عمق خمسة أذرع فأصابه عين من قيس بن أبي صعصعة فصرع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيسا أن يتوضأ لسلمان ويجعل وضوءه في إناء ويغسل به سلمان ويلقي الإناء خلفه منكوسا ففعلوا ذلك فبريء سلمان.
وروى أحمد والبخاري في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الخندق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضت لنا كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية من الجبل عرضت فقال أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول فعادت كثيبا أهيل أو أهيم فقلت يا رسول الله ائذن لي البيت فقلت لامرأتي إني رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا أما في ذلك صبر فعندك شيء فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي في قدر كادت أن تنضج ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه فجئته فساررته فقلت طعيم لي يا رسول الله فقم أنت ورجل أو رجلان قال كم هو فذكرت له قال كثير طيب قل لها لا تنزع البرمة والخبز من التنور حتى آتيكم واستقر صحافا ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أهل الخندق عن جابرا صنع لكم فحي هلا بكم فقلت ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم فقالت بك وبك هل سألك فقلت نعم فقالت الله ورسوله أعلم فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادخلوا ولا تضاغطوا فأخرجت له عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبسق فيها وبارك ثم قال يا جابر ادع خابزة فلتخبز معك واقدحي من برمتك ولا تنزلوها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم يخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب على أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف اللحم حتى شبعوا وهم ألف قال جابر فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز

١ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب (٤١٠٥).
٢ سورة الأحزاب: الآية: ١ ٢..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: المعازي باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب (٣٨٧٣)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير