ثم يقول الحق سبحانه :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( ٩ ) .
أراد الحق سبحانه أن يدلل على قوله لرسوله في الآيات السابقة : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( ٣ ) [ الأحزاب ] فجاء بحادثة جمعت كل فلول خصومه، فقد سبق أن انتصر عليهم متفرقين فانتصر أولا على كفار مكة في بدر، وانتصر على اليهود في بني النضير وبني قينقاع، وهذه المرة اجتمعوا جميعا لحربه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لن يؤثر جمعهم في الصد عن دعوتك، وسوف تنصر عليهم بجنود من عند الله.
إذن : فحيثية ( وتوكل على الله ) هي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.. ( ٩ ) [ الأحزاب ].
النعمة : الشيء الذي يخالط الإنسان بسعادة وبشر وطلب استدامته، وهذه الصفات لا تتوافر إلا في الإيمان، لأن استدامة النعمة فيه تعدت زمن الدنيا إلى زمن آخر دائم وباق في الآخرة، وإن كانت نعمة الدنيا على قدر أسبابك وإمكاناتك، فنعمة الآخرة على قدر المنعم سبحانه، فهي إذن : نعمة النعم.
والله تعالى يخاطب هنا المؤمنين، ومعنى الإيمان هو اليقين بوجود إله واحد له كل صفات الجلال والكمال، والله سبحانه يكفي العقل أن يهتدي إلى القوة الخالقة الواحدة التي لا تعاند، لكن ليس من عمل العقل أن يعرف مثلا اسم هذا الإله، ولا أن يعرف مراده، فكان ولا بد من البلاغ عن الله.
وسبق أن مثلنا لذلك بمن يطرق علينا الباب، فنتفق جميعا بالعقل على أن طارقا بالباب، هذا هو عمل العقل، لكن أمن عمل العقل أن نعرف من هو ؟ أو نعرف مقصده من المجيء ؟ وهذا ما نسميه التصور.
فآفة العقل البشري أنه لم يقنع بالتعقل للقوة القاهرة الفاعلة، فكان يكفيه أن يتعقل أن وراء هذا الكون قوة، هذه القوة لها صفات الكمال التي بها أوجدت هذا الكون، فإن أردنا معرفة ما هي هذه القوة فلا بد أن نترك هذا الطارق ليخبرنا عن نفسه، ويفصح عن هدفه وسبب مجيئه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول يأتي من عند الله يخبرنا عن هذه القوة، عن الله، عن أسمائه وصفاته ومنهجه الذي ارتضاه لخلقه، وما أعده الله لمن أطاعه من النعيم، وما أعده لمن عصاه من العذاب.
فإن كذبنا هذا الرسول، وطلبنا دليلا على صدقه في البلاغ أخرج لنا من المعجزات ما يؤيده وما يحملنا على تصديقه، لأنه أتى بلون مما ننبغ فيه نحن، وفن من فنوننا، ومع ذلك عجزنا عن الإتيان بمثله.
إذن : فالتعقل أول مراحل الإيمان، لذلك فإن أبسط رد على من يعبدون غير الله أن نقول لهم : بماذا أمرتكم آلهتكم ؟ وعم نهتكم ؟ وماذا أعدت لمن أطاعها ؟ وماذا أعدت لمن عصاها ؟ ما المنهج الذي تستعبدكم به ؟
فكان من منطق العقل ساعة يأتينا رسول من عند الله أن نستشرف له، ونقبل عليه، ونسأله عن اللغز الذي لا نعرفه من أمور الحياة والكون، كان علينا أن نستمع له، وأن ننصاع لأوامره، لأنه ما جاء إلا ليخرجنا من مأزق فكري، ومن مأزق عقلي لا يستطيع أحد منا أن يحلله، كان على القوم أن يتلهفوا على هذا الرسول، لا أن يعادوه ويعاندوه، لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية.
وقوله تعالى : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.. ( ٩ ) [ الأحزاب ] ما هو الذكر ؟ العقل حين يتلقى المعلومات من الحواس يقارن بينها ويغربلها، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات، وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة ( الفوتوغرافيا ) التي تلتقط الصورة من مرة واحدة، والناس جميعا سواء في تلقي المعلومات، المهم أن تصادف المعلومة خلو الذهن مما يشغله.
وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور، وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة، فإذا أردت استدعاء معلومة من الحافظة، أو من حاشية الشعور، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة، وتخرجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور.
ثم هناك ما يسمي بتداعي المعاني، حين يذكرك شيء بشيء آخر، وهناك المخيلة، وهي التي تلفق أو تؤلف من المعلومات المختزنة شيئا جديدا، ونسميه التخيل، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة بيضاء تخيلها هكذا.
خود كأن بنانها في نقشة الوشم المزرد١
سمك من البللور في شبك تكون من زبرجد٢
فهذه صورة تخيلية خاصة بالشاعر، وإلا فمن منا رأى سمكا من البللور في شبك من زبرجد ؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها، وسبق أن ذكرنا الصورة التي رسمها الشاعر٣ للأحدب، فقال :
قصرت أخادعه٤ وغاص قذاله٥
فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما صفعت قفاه مرة
فأحس ثانية لها فتجمعا
ومنذ القدم يعتبر الشعراء محلا للحب وللمشاعر، لكن يخرج علينا هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نسج خياله، فيقول :
خطرات ذكرك تستثير مودتي
فأحس منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو لي إلا وفيه صبابة
فكأن أعضائي خلقن قلوبا
فمعنى : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.. ( ٩ ) [ الأحزاب ] لا تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم، بل تذكروها دائما، واجعلوها في بؤرة شعوركم، لذلك جعل الله الذكر عبادة، وهو عبادة بلا مشقة، فأنت حين تصلي مثلا تستغرق وقتا ومجهودا للوضوء وللذهاب للمسجد، كذلك حين تزكي تخرج من مالك، أما الذكر فلا يكلفك شيئا.
لذلك في سورة الجمعة حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلاة، يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ... ( ٩ ) [ الجمعة ] فهنا حركتان : حركة إيجاب بالسعي إلى الصلاة، وحركة سلب بترك البيع والشراء، وكل ما يشغلك عن الصلاة.
ثم يقول تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.. ( ١٠ [ الجمعة ].
وفي موضع آخر قال : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ( ٤٥ ) [ العنكبوت ] فإياك أن تظن أن الله يريد أن تذكره ساعة الصلاة فحسب، إنما أذكره دائما وأبدا، وإن كانت الصلاة لها ظرف تؤدى فيه، فذكر الله لا وقت له، لذلك جعله الله يسيرا سهلا، لا مشقة فيه، لا بالوقت ولا بالجهد، فيكفي في ذكر الله أن تتأمل المرائي التي بها ويقع عليها نظرك لترى فيها قدرة الله.
والحق سبحانه يذكرنا بنعمه، لأن النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعود عليها النفس، ويحدث لها رتابة، فلا تلتفت إليها، فأنت مثلا ترى الشمس كل صباح، لكن قلما تتذكر أنها آية من آيات الخالق عز وجل ونعمة من نعمه، لأنك تعودت على رؤيتها، وأصبحت رتيبة بالنسبة لك.
كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين يسلبها من الآخرين، فحين ترى السقيم تذكر نعمة العافية، وحين ترى الأعمى تذكر نعمة البصر... الخ وساعتها ينبغي عليك أن تشكر المنعم الذي عافاك مما ابتلى به غيرك، إذن : فهذه الشواذ جعلها الله وسائل للإيضاح وتذكيرا للخلق بنعم الخالق.
والنعمة وردت هنا منفردة، وكذلك في قوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا( ٣٤ ) [ إبراهيم ] وقد وقف أعداء الإسلام من المستشرفين أما هذه الآية يعترضون على أن النعمة فيها مفردة، يقولون : فكيف تعد ؟ وهذا الاعتراض منهم ناشئ عن عدم فهم لمعاني وأساليب القرآن.
ونقول : الذي ترونه نعمة واحدة، لو تأملتم فيها لوجدتم بداخلها نعما متعددة تفوق العد، استخدم القرآن هنا ( إن ) الدالة على الشك، لأن نعم الله ليست مظنة العد والإحصاء كرمال الصحراء، هل تعرض أحد لعدها ؟ لأنك لا تقبل على عد شيء إلا إذا كان مظنة العد، وإحصاء المعدود.
لذلك، فالحق سبحانه يوضح لنا : إن حاولتم إحصاء نعم الله وهذا لن يحدث فلن تستطيعوا عدها، مع أن الإحصاء أصبح علما مستقلا، له جامعات وكليات تبحث فيه وتدرسه.
ولك أن تأخذ نعمة واحدة من نعم الله عليك، ثم تتأمل فيها وفي عناصرها ومكوناتها وفوائدها وصفاتها، وسوف تجد في طيات النعمة الواحدة نعما شتى، فالتفاحة مثلا في ظاهرها نعمة واحدة، لكن في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلاف وتنوع هذا كله نعم كثيرة.
والحق سبحانه جعل نعمه عامة للمؤمن وللكافر، لأنه سبحانه جعل لها أسبابا، من أحسن هذه الأسباب أعطته، حتى لو كان كافرا.
ثم نلاحظ في قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا( ٣٤ ) [ إبراهيم ] أنها وردت في القرآن مرتين، ولكل منهما تذييل مختلف، فمرة يقول تعالى : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( ٣٤ ) [ إبراهيم ]، ومرة يقول : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( ١٨ ) [ النحل ].
وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لو عامل المنعم عليهم من الخلق بما يقتضيه إيمانهم، وما يقتضيه كفرهم، لأعطى المؤمن وسلب الكافر، لكنه سبحانه غفور رحيم بخلقه، فبهاتين الصفتين ينعم سبحانه على الجميع، وما ترفلون فيه من نعم الله عليكم أثر من آثار الغفران والرحمة، فغفر لكم معايبكم أولا، والغفر : أن تستر الشيء القبيح عمن هو دونك.
ثم الرحمة، وهي أن تمتد يدك بالإحسان إلى من دونك، وسبق أن أوضحنا أن المغفرة تسبق الرحمة، وهذه هي القاعدة العامة، لكن قد تسبق الرحمة المغفرة، ذلك لأن السلب للشيء المذموم ينبغي أن يسبق النعمة، أو : أن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة.
وقد مثلنا لذلك باللص تجده في دارك، فتستر عليه أولا حين لا تسلمه للبوليس، ثم يرق له قلبك، فتمتد يدك إليه بالإحسان، وهنا تسبق المغفرة الرحمة، وقد تتصرف معه بطريقة أخرى، بحيث تقدم فيها الرحمة على المغفرة، والمغفرة لا تكون إلا من الأعلى للأدنى، فتستر على القبيح قبحه، وأنت أعلى منه، فلا يقال مثلا للخادم : إنه ستر على سيده.
ثم يرسل لنا الحق سبحانه وتعالى هذه البرقية الدالّة على تأييده سبحانه لعباده المؤمنين : إِذْ٦ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا٧ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( ٩ ) [ الأحزاب ].
فالجنود تؤذن بالحرب، وجاءت نكرة مبهمة، ثم جاءت نهاية هذه المعركة في هاتين الجملتين القصيرتين فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا.. ( ٩ ) [ الأحزاب ] ولم يذكر ماهية هؤلاء الجنود، إلا أنهم من عند الله، جاءوا لردّ هؤلاء الكفار وإبطال كيدهم.
٢ الزبرجد: الزمرد. وهو الزبردج أيضا. بلسان العرب ـ مادة: زبرجد]..
٣ الشاعر هو: ابن الرومي على بن العباس بن جريج، شاعر كبير من طبقة بشار والمتنبي، رومي الأصل، كان جده من موالي بني العباس، ولد ببغداد ٢٢١ هـ ونشأ بها، ومات فيها مسموما عام ٢٨٣ هـ عن ٦٢ عاما. [الأعلام للزركلي ٤/٢٩٧]..
٤ الأخادع: جمع الأخدع، وهو أحد عرقين في جانبي العنق..
٥ القذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان. [لسان العرب ـ مادة: قذال]..
٦ ذلك يوم الخندق في غزوة الأحزاب، قال ابن إسحاق: كانت في شوال من السنة الخامسة، وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك رحمه الله: كانت وقعة الخندق سنة أربع، وهي بنو قريظة في يوم واحد. (تفسير القرطبي (٧/٥٣٨٩)..
٧ قال ابن كثير في تفسيره (٣/٤٧٠): "هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليّ، فيجتمعون إليه، فيقول: النجاء، النجاء، لما ألقى الله عز وجل في قلوبهم من الرعب"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي