ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس - صاحبة سليمان - منهم١، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه٢ بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وقوله : فَأَعْرَضُوا أي : عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان : وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [ النمل : ٢٢، ٢٤ ].
وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن مُنَبّه : بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا.
وقال السُّدِّي : أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي، والله ١ أعلم.
وقوله : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ : قيل : المراد بالعرم المياه. وقيل : الوادي. وقيل : الجُرَذ. وقيل : الماء الغزير. فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل :" مسجد الجامع ". و " سعيد كُرْز " حكى ذلك السهيلي. ٢
وذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك ؛ أن الله، عز وجل، لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها :" الجُرَذ " نقبته - قال وهب بن منبه : وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجُرَذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السَّدّ فنقبته، فانهار عليهم.
وقال قتادة وغيره : الجُرَذ : هو الخَلْد، نقبت أسافله حتى إذا ضَعف ووَهَى، وجاءت أيام السيول، صَدمَ الماءُ البناءَ فسقط، فانساب الماء في أسفل٣ الوادي، وخرّبَ ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله وتعالى : وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ .
قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وعطاء الخُرَاساني، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي : وهو الأراك، وأكلة البَرير.
وَأَثْل : قال العوفي، عن ابن عباس : هو الطَّرْفاء.
وقال غيره : هو شجر يشبه الطرفاء. وقيل : هو السّمُر. فالله أعلم.
وقوله : وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ : لما كان أجودَ هذه الأشجار المبدل بها هو السّدْر قال : وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ، فهذا الذي صار أمر تَيْنك٤ الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسّدْر ذي الشوك الكثير والثمر القليل. وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ؛ ولهذا قال : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا٥ وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ

١ - في ت، س: "فالله"..
٢ - الروض الأنف (١/١٥)..
٣ - في ت: "أصل"..
٤ - في ت، أ: "تللك"..
٥ - في ت: "بكفرهم" وهو خطأ..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية