ومن قصة آل داوود التي يتجلى فيها فضل الله ومقابلة فضله بالشكر، انتقل كتاب الله إلى قصة، ( سبأ ) التي يتجلى فيها فضل الله، لكن مع مقابلته بالجحود والكفر :
أما فضل الله على سبأ فينطق به قوله تعالى : لقد كان لسبإ في مساكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور( ١٥ ) ، وقوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأياما –آمنين( ١٨ ) .
وأما جحود سبأ وكفرهم بنعمة الله، وما نشأ عنه من تبدل الأحوال، والتعرض للدمار والزوال، فينطق به قوله تعالى : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل( ١٦ ) ذلك جازيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلا الكفور( ١٧ ) ، وقوله تعالى : فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا، وظلموا أنفسهم، فجعلناهم أحاديث، ومزقناهم كل ممزق، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور( ١٩ ) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، إلا فريقا من المؤمنين( ٢٠ )
لكن لما أعرض قوم سبأ عن عبادة الله وطاعته، وانصرفوا عن شكره على نعمته، بطرا وطغيانا، وجحودا وكفرانا، بدلهم الله من حال إلى حال، وسلط عليهم الكوارث والأهوال، فتهدم ( سد مأرب ) الذي كان يعد من أعاجيب العالم القديم، إذ كان أوسع السدود وأشهرها، ( وهو يبعد عن مدينة صنعاء بنحو ستين ميلا، ولا تزال بقاياه ماثلة للعيان إلى الآن ) وطغى ماء السد وماء السيل على ما كان عندهم من بساتين ومزارع وأبنية، فذهب العمران والازدهار، وحل محله الخراب والدمار، وذلك معنى قوله تعالى : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ، و( العرم ) السيل الذي لا يطاق.
يقول تعالى : وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل، وشيء من سدر قليل ، ها هنا يبين كتاب الله ما حل بمزارعهم ومعايشهم من ضياع وإهمال، حيث تحولت البساتين والمزارع إلى غابات وأدغال، والمراد " بالخمط " كل شجر ذي شوك فيه مرارة، ( والأثل ) نوع من الخشب شبيه بالطرفاء لا ثمرة له في الغالب، و( السدر ) شجر النبق، وبعدما أصبح السدر أحسن أشجارهم لم يبق منه إلا القليل. وإنما قال تعالى : وبدلناهم بجنتيهم جنتين دواتي أكل خمط وأثل ، لأجل ( المشاكلة ) بين النوعين، على غرار قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها ، إذ مثل هذا النبات الوحشي لا يسمى في الحقيقة ( جنة ) ولا بستانا. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله : ذلك جازيناهم بما كفروا، وهل يجزى إلا الكفور( ١٧ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري