ثم إنه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم فقال :«فَأَعْرَضُوا » من كمال ظلمهم، الإعراض بعد إبانة الآية كقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ [ السجدة : ٢٢ ] قال وهب : أرسل١ الله إلى سبأَ ثلاثةَ عَشَرَ نبياً فدعوهم إلى الله وذكروهم نعم الله عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله عزّ وجلّ علينا نعمةً، فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع فذلك قوله عزّ وجلّ : فَأَعْرَضُوا، ثم ذكر كيفية الانتقام منهم كما قال تعالى : إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ [ السجدة : ٢٢ ] وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلاً غرَّق أموالهم وخَرَّب دُورَهُمْ.
قوله : سَيْلَ العرم العَرِمُ فيه أوجه :
أحدها : أنه من باب إضافة الموصوفِ لصفته٢ في الأصل إذ الأصل : السَّيْلُ العَرِمُ، والعَرِمُ الشديد وأصله من العَرَامَة، وهي الشَّراسَةُ والصعوبة وعَرِمَ فُلاَنٌ فَهُوَ عارِمٌ وَعرِم وعُرَام الجَيْشِ منه٣.
الثاني : أنه من حذف الموصوف وإقامة صفته مُقامه تقديره فأرسلنا عليهم سَيْلَ المَطَرِ العَرِمِ أي الشديد الكثير٤.
الثالث : أن العَرِم اسم للبناء الذي يجعل سداً٥ وأنشد ( قول الشاعر )٦ :
٤١٢٩- مِنْ سَبَأِ الحَاضِرين مَأْرِبَ إذْ. . . يَبْنُونَ مِنْ دون سَيْلِهِ العَرِمَا٧
أي البناء القوي. قال البغوي : العَرَمُ والعَرِمُ جمع عَرَمَةٍ وهي السد٨ الذي يحبس الماء.
الرابع : أن العَرِم اسم للوادي الذي كان فيه الماء٩ نفسه.
وقال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق١٠ وقيل : كان ماء أحمر أرسله الله عليهم من حيث١١ شاء.
الخامس : أنه اسم للجرذ١٢ وهو الفأر. قيل : هو الخُلْدُ١٣ وإنما أضيف إليه ؛ لأنه تسبب عنه إذ يروى في التفسير أنه قرض السدّ١٤ إلى أن انفتح عليهم فغرقوا به. وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الإضافة إضافةً صحيحة معرفة نحو : غُلاَمُ زَيْدٍ، أي سيل البناء أو سيل الوادي الفُلاَنيّ أو سيل الجُرْذِ. وهؤلاء هم الذين ضربت العرب بهم المثل للفُرْقة فقالوا «تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَا ». وقد تقدم١٥.
فصل
قال ابن عباس ووهب وغيرهما : كان ذلك السد بَنَتْهُ بَلْقِيسُ وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المُسَنَّاة بلغة حمير فسكت١٦ ما بين الجبلين بالصخور وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهار هم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء وإذا استغنوا سَدُّوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السَّدِّ فأمرت بالباب الأعلى يفتح١٧ فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من بالباب الأعلى ( ثم )١٨ من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يَثوبَ الماءُ من السنة المقبلة فكانت تَقْتَسمه بينهم على ذلك فبقُوا على ذلك بعدها مدة فلمَّا طَغَوْا وكَفَرُوا سلَّط الله عليهم جُرْذاً يسمَّى الخُلْدَ فنقب السد من أسفله فغَرَّق الماء جنانهم وخرب أرضهم١٩.
قوله : بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْن قد تقدم في البقرة أن المجرور بالباء هو الخارج، والمنصوب هو الداخل٢٠ ؛ ولهذا غَلطَ مَنْ قال من الفقهاء : فلو أبدل ضاداً بظاءٍ بطلت صلاته بل الصواب أن يقول : ظاءً بضادٍ٢١.
قوله : أُكُلٍ خَمْطٍ قرأ أبو عمرو بإضافة «أُكُلٍ » إلى «خَمْطٍ ». والباقون بتنوينه غير مضاف٢٢، وقد تقدم في البقرة٢٣ أن ابْنَ عَامِرٍ، وأبَا عمرو والكوفيِّينَ يضمون كاف «أكل » غير المضاف لضمير المؤنثة وأنَّ نافعاً وابنَ كثير يسكنونها٢٤ بتفصيل هناك تقدم تحريره فيكون القراء هنا على ثلاث مراتب، الأولى لأبي عمرو أُكُلِ خمطٍ بضم كاف أكل مضافاً «لخمط ».
الثانية : لنافع وابن كثير بتسكين كافه وتنوينه.
الثالثة : للباقين ضم كافه وتنوينه فمن أضاف جعل الأكل بمعنى الجَنَى والثَّمَر٢٥.
والخمط قيل : شجر الأَراكَ وثمره يقال له : البَريرُ. ( و ) هذا قول أكثر المفسرين٢٦ وقيل : كل شجر ذي شوك٢٧ وقال المبرد والزجاج : كل نبت أخذ طعماً من مَرَارَةٍ حتى لا يمكن أكله فهو خَمْط٢٨. وقال ابن الأعرابي : الخمط ثمرة شجرة يقال لها : فَسْوَة الضَّبْغ على صورة الخَشْخَاش لا ينتفع به٢٩. قال البغوي : من جعل الخمط اسماً للمأكول فالتنوين في «أكل » حسن ومن جعله أصلاً وجعل «الأُكُل » ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول العرب في بُسْتَان فلان أعنابُ كَرْمٍ وأعنابٌ كَرْمٌ يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه٣٠.
قوله : وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرِ معطوفان على «أكل » لا على «خمط » لأن الخمط لا أكل له٣١، وقال مكي : لمَّا لَمْ يَجُز أن يكون الخمط نعتاً للأكل ؛ لأن الخَمْطَ اسم شجر بعينه ولا بدلاً ؛ لأنه ليس الأول ولا بعضه وكان الجنى والثمر من الشجر أضيف على تقدير «مِنْ » كَقولك :«هذَا ثَوْبُ خَزِّ »٣٢. ومن نون فيحتمل أوجهاً :
الأول : أنه جعل «خمطاً » وما بعده إما صفة «لأكُل »٣٣. قال الزمخشري : أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل : ذَوَاتَىْ أُكُلٍ بشيع٣٤. قال أبو حيان : والوصف بالأسماء لا يَطَّرِدُ وإن كان قد جَاءَ ٣٥ منه شيءٌ نحو قولهم :«مَرَرْت بقَاعٍ عَرْفَج٣٦ كُلّهٍ ».
الثاني : البدل من «أكل » قال أبو البقاء : وجُعِلَ خَمْطاً أُكُلاً لمجاورته إياه، وكونِهِ سبباً له ٣٧ إلا أن الفارسيَّ ردَّ كونه بدلاً قال : لأنَّ الخَمْطَ ليس بالأكل نفسه٣٨، وقد تقدم جواب أبي البقاء، وقد أجاب بعضهم عنه وهو منتزع من كلام الزمخشري أي أنه على حذف مضاف تقديره ذواتي٣٩ أكُلِ أكل خمطٍ قال : والمحذوف هو الأول في الحقيقة٤٠.
الثالث : أنه عطف بيان وجعله أبو عليِّ أحسن ما في الباب٤١، قال : كأنه بين أن الأكل هذه٤٢ الشجرة، إلا أن عطف البيان لا يُجيزُه البصريون في النَّكرات إنما يَخصُّونَه بالمعارف٤٣، والأثْلُ هو الطَّرْفَاءُ. وقيل : شجر يشبه الطرفاء٤٤ وقيل : نوع من الطرفاء ولا يكون على٤٥ ثمرة إلا في بعض الأوقات يكون عليه شيء كالعَفْص٤٦ أصغر منه في طعمه وطبعه، والسِّدْرُ شجر٤٧ معروف وهو شجر النَّبْقِ يُنْتَفَعُ بورقه لغسل اليد ويغرس في البساتين ولم يكن هذا من ذلك بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيءٍ، وقال بعضهم٤٨ : السِّدْرُ سِدْرَانِ سِدْرٌ له ثمرة عفصة لا يؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغتسال وهو الضال وسدر له ثمرة٤٩ يؤكل وهو النبق ( و )٥٠ يغتسل بورقه. والمراد بالآية الأوّل. وقال قتادة : كان شَجَرُهُمْ خيرَ الشَّجَر فصيره الله من شر الشَّجر بأعمالهم٥١.
قوله :«قَلِيل » نعت ل «سدر » وقيل : نعت «لأُكُل ». وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون نعتاً «لخمط » و «أَثْل » و «سِدْرٍ »٥٢ وقرئ «وَأَثْلاً وشَيْئاً » بنصبهما عطفاً على «جنَّتَيْنِ »٥٣
٢ قاله أبو حيان ٧/٢٧١ والسمين في الدر ٤/٤٢٨..
٣ قاله في اللسان ٢٩١٣..
٤ بالمعنى من البحر ٧/٢٧١ وقد قال بذلك في الدر المصون ٤/٤٢٨ وفي "ب" الكبير بدلا من الكثير وانظر: الكشاف ٣/٢٨٥..
٥ السمين : السابق..
٦ زيادة من ب..
٧ البيت من المنسرح وهو غير منسوب في البحر ٧/٢٧٠ والقرطبي ١٤/٢٨٣ واللسان "ع ر م" ٢٩١٤ وكذلك "س ب أ" وورد في اللسان بلفظ "مشرد" بدل "يبنون". وكذلك لم ينسب في غريب القرآن لابن قتيبة ٣٥٤ ولا في المجاز لأبي عبيدة ١٤٧/٢. وقد اختلف في نسبة هذا البيت فمن نسبه إلى النابغة الجعدي ومن نسبه إلى أمية بن أبي الصلت وهو في ديوان النابغة ١٣٤ وديوان أمية برقم ٥١ وملحق ديوان الأعشى. وقد جيء بالبيت ليدل به على أن العرم هو اسم للبناء الذي يجعل سدا. وهو في البحر بتحريف وتصحيف ظاهرين. وانظر: الكتاب ٣/٢٥٣ والتاج عرم والكشاف ٣/١٤٤ وشرح شواهده ٥٣٥..
٨ في البغوي السكر وهو ما يوافق..
٩ انظر البغوي ٥/٢٨٧ المرجع السابق والكشاف ٣/٢٨٥..
١٠ قال في اللسان: ابن الأعرابي: العرمة أرض صلبة إلى جنب الصبان. ٢٩١٥. وقد نقل رأي الأعرابي الإمام البغوي في معالم التنزيل ٥/٢٨٧..
١١ المرجع السابق..
١٢ الدر المصون ٤/٤٢٨. والجرد نوع من الفئران. انظر: حيوان الجاحظ ٥/٢٦٠.
١٣ ضرب من الفئران قال بذلك في المرجع السابق. وابن منظور في اللسان "خ ل د " ١٢٢٦ والقرطبي في الجامع ١٤/٢٨٥، ٢٨٦، والزجاج في معاني القرآن ٤/٢٤٨..
١٤ في ب السكر..
١٥ في اللسان. وقد ذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٤/١٢٣ كما شرحه الميداني في مجمع الأمثال له ٢/٤..
١٦ الأصح كما في ب فسدت..
١٧ في (ب) ففتح..
١٨ سقط من "أ"..
١٩ ذكر هذا الأثر في لباب التأويل والبغوي في معالم التنزيل ٥/٢٨٧ و ٢٨٨..
٢٠ يشير إلى قوله تعالى: اشتروا الضلالة بالهدى الآية ١٦ ويقصد بالخارج: الجنتين اللتين فيهما أزهار وأنهار وفاكهة وهو كلمة "بجنتيهم: والداخل: وهو المفعول "جنتين ذواتي أكل" مثلما جاءت به سورة البقرة فلقد تركوا الهدى "بالهدى" واشتروا الضلالة وهو الداخل، وهنا يتضح التنظير بآية البقرة وانظر: اللباب ١/٤٧ ب..
٢١ الدر المصون ٤/٤٢٩..
٢٢ النشر ٢/٣٥٠ والسبعة ١٩٠ و ٥٢٨ والإتحاف ٣٥٩ ومعاني القرآن للفراء ٢/٣٥٨ و ٣٥٩ والكشف ٢/٢٠٥ وحجة ابن خالويه ٢٩٣..
٢٣ عند قوله تعالى: فآتت أكلها ضعفين وهي الآية ٢٦٥ منها..
٢٤ المراجع السابقة..
٢٥ انظر هذا في الدر المصون للسمين ٤/٤٢٩..
٢٦ قال بذلك العلامة الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٤٩ والفراء في معاني القرآن أيضا ٢/٣٥٩..
٢٧ ذكره أبو عبيدة في المجاز ٢/١٤٧..
٢٨ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٢٤٩..
٢٩ ذكره في اللسان "خمط" ١٢٦٧ وانظر هذا كله في اللسان المرجع السابق..
٣٠ ذكره البغوي في معالم التنزيل ٥/٢٨٨ وقد فسر ابن قتيبة في تفسيره غريب القرآن الخمط بشجر العضاه. انظر: الغريب ٣٥٦..
٣١ قاله في الدر المصون ٤/٤٢٩..
٣٢ بتقديم وتأخير في عبارته من الكشف ٢/٢٠٧ وانظر الكشاف للزمخشري ٣/٢٨٥ وانظر: البيان لابن الأنباري ٢/٢٧٨ و ٢٧٩..
٣٣ الدر المصون ٤/٤٢٩..
٣٤ قال ذلك في الكشاف ٣/٢٨٥..
٣٥ البحر المحيط ٧/٢٧١..
٣٦ قال في اللسان: العرفج والعرفج بفتح العين وكسرها نبت دقيق واحدته عرفجة وهذا الوصف الجامد يؤول بالمشتق وهو لفظ كثير..
٣٧ قال هذا في تبيانه ١٠٦٦..
٣٨ قال في الحجة ٦/١٧٢ و ١٧٣: "لأنه ليس هو هو ولا بعضه لأن الجنى من الشجرة وليس الشجرة من الجنى فيكون إجراؤه عليه على وجه عطف البيان" فقد جعله عطف بيان لا بدلا..
٣٩ قال: "ووجه من نون أصله ذواتي أكل أكل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه"..
٤٠ هذا قول أبي حيان في البحر في رده على السابق وانظر: البحر المحيط ٧/٢٧١..
٤١ البحر المحيط المرجع السابق والدر المصون ٤/٤٣٠..
٤٢ انظر: المرجع السابق لأبي علي وهو الحجة في القراءات السبع..
٤٣ هذا اعتراض من أبي حيان في البحر ٧/٢٧١ والسمين في الدر ٤/٤٣٠ ومنع أهل البصرة جريانه على النكرة وقالوا لا يجري إلا في المعارف وقد نقل هذا عنهم الشلوبين، وقال ابن مالك: لم أجد هذا النقل عنهم إلا من جهته وذهب الكوفيون والفارسي والزمخشري إلى جواز تنكيرهما ومثلوا له بقوله تعالى: من ماء صديد وهو الصحيح. انظر: همع السيوطي ٢/١٢١..
٤٤ إلا أنه أعظم طولا انظر: الفراء في معانيه ٢/٣٥٩ ولسان العرب أثل ٢٨ وغريب القرآن ٣٥٦ والكشاف ٣/٢٨٥..
٤٥ في "ب" عليه..
٤٦ قال عنه في اللسان: "والعفص معروف يقع على الشجر وعلى الثمر". انظر: اللسان: "ع ف ص" ٣٠١٤..
٤٧ قاله في معاني القرآن للفراء ٢/٣٥٩ قال: "قالوا إنه السمر واحدته سمرة". وانظر: اللسان "س د ر " ٩٧١..
٤٨ لعله ابن زياد انظر المرجع السابق..
٤٩ في "ب" ثمر..
٥٠ سقط من "ب"..
٥١ ذكره القرطبي في الجامع ١٤/٢٨٧..
٥٢ البحر ٧/٢٧١ والدر المصون ٤/٤٣٠ والتبيان ١٠٦٦..
٥٣ مختصر ابن خالويه ١٢١ وهي من القراءات الشاذة وانظر الكشاف ٣/٢٨٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود