ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

( لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور١٥ فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ١٦ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور( ( سبأ : ١٥-١٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر جل وعلا حال الشاكرين لنعمه المنيبين إليه- أعقب ذلك بذكر ما حل بالكافرين بنعمه، المعرضين عن ذكره وشكره من عظيم العقاب، موعظة لقريش وتحذيرا لمن يكفر بالنعم، ويعرض عن المنعم.
تفسير المفردات :
فأعرضوا : أي انصرفوا عن شكر هذه النعم، والعرم : واحدها عرمة، وهي الحجارة المركومة كخزان أسوان في وادي النيل لحجز المياه جنوبي النيل، وكانت له ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، والمطر يجتمع أمام ذلك السد، فيسقون من الباب الأعلى ثم الذي يليه ثم من الأسفل، والأكل : التمر، والخمط : كل شجرة مرة ذات شوك، والأثل : الطرفاء، وهو المعروف في مصر ( بالأتل ) والسدر : شجر النبق.
الإيضاح :
( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل( أي فأعرضوا عن طاعة ربهم، وصدوا عن اتباع ما دعتهم إليه الرسل، فأرسل الله عليهم سيلا كثيرا ملأ الوادي وكسر السد وخربه وذهب بالجنان والبساتين، وأهلك الحرث والنسل، ولم يبق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد، وبدلوا بتلك الجنان والبساتين التي سبق وصفها بساتين ليس فيها إلا بعض أشجار لا يؤبه بها كالخمط والأثل وقليل من النبق.
ثم بين سبب ذلك العقاب بقوله :[ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور(.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:سد مأرب – سد العرم :
وصف هذا السد مؤرخو العرب في عصور مختلفة. وأصدق من أجاد وصفه الهمداني في كتابه ( وصف جزيرة العرب ) قال : في الجنوب الغربي من مأرب سلسلة جبال هي شعاب من جبل السراة الشهير، تمتد مئات الأميال نحو الشرق الشمالي، وبين هذه الجبال أودية تصب في واد كبير يعبر عنه العرب بالميزاب الشرقي وهو أعظم أودية الشرق وشعاب هذه المواضع وأوديتها إذا أمطرت السماء تجمعت فيها السيول وانحدرت حتى تنتهي أخيرا إلى وادي آذنة، وهو يعلو سطح البحر بنحو ١١٠٠ متر، وتسير فيه المياه نحو الشرق الشمالي حتى تنتهي إلى مكان قبل مأرب بثلاث ساعات، هو مضيق بين جبلين يقال لكل منهما بلن، أحدهما بلن الأيمن وثانيهما بلن الأيسر والمسافة بينهما ستمائة ذراع يجري السيل الأكبر بينهما من الغرب الجنوبي إلى الشرق الشمالي في وادي أذنة.
وقد اختار السبئيون المضيق بين جبلي بلن وبنوا في عرضه سورا عظيما عرف بسد مأرب أو بسد العرم، لأنه لا أنهار عندهم، وإنما يستقي أهلها من السيول التي تتجمع من المطر، وقد كان يذهب أكثرها في الرمال، فإذا انقضى فصل المطر ظمئوا وجفت أغراسهم، وربما فاض المطر فسطا على المدن والقرى فنالهم منه أذى كثير.
وبين المضيق ومدينة مأرب متسع من الأرض تبلغ مساحة ما يحيط به من الأرض من سفوح وجبال نحو ٣٠٠٠ ميل مربع كانت صحراء جرداء قاحلة فأصبحت بعد تدبير المياه بالسد غياضا وبساتين على سفحي الجبلين وهي المعبر عنها بالجنتين الجنة اليمنى والجنة اليسرى اهـ بتصرف.
وقد ظل الباحثون والمنقبون في العصر الحديث في شك من أمر هذا السد حتى تمكن المستعرب الفرنسي أرنو من الوصول إلى مأرب سنة ١٨٤٣ وشاهد آثاره ورسم له مصورا نشر في المجلة الفرنسية سنة ١٨٧٤ وزار مأرب بعده هاليفي وغلازر ووفقاه فيما قال وصادقاه فيما وصف وهو يطابق من وجوه كثيرة ما قاله الهمداني في كتابه ثم عثروا فيما بعد على نقوش كتابية في خرائب السد وغيرها تحققوا بها صدق خبره.
قال الأصفهاني : إن السد تهدم قبل الإسلام بنحو أربعمائة سنة، وقال ياقوت : إنه هدم في نحو القرن السادس للميلاد، وقال ابن خلدون : إنه تهدم في القرن الخامس للميلاد.


تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير