ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

قوله إِن تَدْعُوهُمْ الدعاء هنا معناه العبادة، فقد كان الواحد منهم يقف أمام صنمه يدعوه ويتوسل إليه ويكلمه.. إلخ، لكن هيهات فهذا حجر لا يسمع، فدعاؤه غباء فضلاً عن كونه كفراً، ومعنى لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ أي: الآلهة التي لا تعقل ولا تسمع، كالشجر والحجر وغيره.
لكن، لماذا عبد الكفار الأصنام مثلاً، وهم يعلمون أنها حجارة نحتوها بأيديهم، ويروْنَ أن هَبَّة الريح تُوقع معبودهم، وتُلقيه على الأرض، وتكسر ذراعه، فيحتاج إلى مَنْ يصلحها، شيء عجيب أنْ تُعبد الأصنام من دون الله، لكن السبب هو فطرة التدين في النفس البشرية.
فكل إنسان بطبعه يحب التدين، وآفة التدين أن له مطلوبات، فما المانع أنْ يذهب الإنسانُ إلى تدين يرضي هذه الفطرة، ومع ذلك لا مطلوبات له، من هنا عُبدت الأصنام، وعُبدت الكواكب والأشجار وجُعِلَت آلهة.
ومعنى العبادة: أنْ يطيع العابد أمر معبوده وينتهي عن نَهْيه، فإذا لم يكن هناك أمر ولا نهي، فالعبادة ساقطة باطلة؛ لأنك تعبد إلهاً بلا منهج، وإلا فبماذا أمرتهم هذه الآلهة وعَمَّ نَهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
وقوله تعالى: وَلَوْ سَمِعُواْ أي: على فرض أنهم عبدوا بشراً يسمعهم وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ يعني: ما وافقوا على عبادتكم لهم، ولرفضوا أن يكونوا آلهة، ومثال ذلك: الذين عبدوا عيسى عليه السلام من دون الله...
فالحجر ذاته يأبى أنْ يُعبد من دون الله، ويعلم في حقيقته قضية التوحيد، ويخِرُّ لله مُسبِّحاً، فما بالك بالبشر؟
لذلك سنرى في موقف القيامة العجب من المعارك والمناقشات بين العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، يقول تعالى:
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٦] وقال حكاية عن الذين ضَلُّوا: رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩].
وهنا يقول سبحانه: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ [فاطر: ١٤] أي: هؤلاء الذين توجهتم إليهم بالعبادة واتخذتموهم آلهة سيتبرأون منكم ومن شرككم وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي: عالم ببواطن الأمور، وكأن الله تعالى يقول لك: أنا أخبرك بما سيكون في المستقبل فَخُذْ من صدقي فيما مضى دليلاً على صدقي فيما هو آتٍ، ومن صدقي فيما تشاهد دليلاً على صِدْقي فيما غاب عنك.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير