ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

٧- إن نظام العالم البديع، وكتابة الأعمال والآجال غير متعذر على الله، وإنما هو سهل يسير هيّن لأن علم الله مطلق غير نسبي كعلم البشر، وشامل غير محدود، وعام غير خاص يشمل الماضي والحاضر والمستقبل.
من دلائل الوحدانية والقدرة الإلهية
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
الإعراب:
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ الشرك: مصدر بمعنى الإشراك، وهو مضاف إلى الكاف والميم، وهي الفاعل في المعنى، وتقديره: بإشراككم إياهم، فحذف المفعول.
البلاغة:
هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ بينهما ما يسمى بالمقابلة وهي كالطباق، لكنها بين أكثر من شيئين.
المفردات اللغوية:
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ العذب والمالح. عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة، والعذب:

صفحة رقم 241

الحلو اللذيذ الطعم، والفرات: المزيل للعطش. سائِغٌ شَرابُهُ سهل انحداره. أُجاجٌ شديد الملوحة، وذلك مثل للمؤمن والكافر. وَمِنْ كُلٍّ منهما تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا هو السمك.
وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها أي من البحر الملح، وقال الزجّاج: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا، والحلية هنا: هي اللؤلؤ والمرجان، وهي في الأصل: كل ما يتحلى به من سوار أو خاتم.
وَتَرَى تبصر. الْفُلْكَ السفن. فِيهِ في كل من البحرين. مَواخِرَ عابرات شاقات تشق الماء بجريها، مقبلة ومدبرة بريح واحدة. لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ تطلبوا من فضل الله تعالى بالتجارة والتنقل فيها. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لتشكروا الله على ما أنعم عليكم به من ذلك.
يُولِجُ يدخل، فيزيد في كل من الليل والنهار بالنقص من الآخر. سَخَّرَ أجرى.
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى كل منهما يسير في فلكه هي مدة دورانه، أو منتهاه، وقيل: إلى يوم القيامة. ذلِكُمُ الفاعل لهذه الأفعال. اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ أي هذا الصانع لما تقدم هو الخالق المقدر، والقادر المقتدر، المالك للعالم، والمتصرف فيه. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي تعبدون من غيره وهم الأصنام. ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ القطمير: لفافة النواة، أي القشرة البيضاء الرقيقة التي تكون على النواة- البزرة. وهذا دليل التفرد بالألوهية والربوبية.
لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ لأنهم جماد. وَلَوْ سَمِعُوا على سبيل الفرض. مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ما أجابوكم. يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي يجحدون بإشراككم إياهم مع الله، وعبادتكم لهم، والمعنى:
يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم. وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي ولا يخبرك بالأمر، ويعلمك بأحوال الدارين مخبر مثل الخبير العالم به، وهو الله تعالى.
المناسبة:
بعد إيراد أدلة إثبات البعث، أورد الله تعالى الأدلة والبراهين الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته، بخلقه أشياء متحدة الجنس، لكنها مختلفة المنافع، من الماء الواحد، والليل والنهار، والشمس والقمر. وأردفه بالرد على عبدة الأصنام التي لا تملك شيئا، ولا تسمع دعاء، ولا تجيب نداء، وتتبرأ من عابديها يوم القيامة.

صفحة رقم 242

التفسير والبيان:
نبّه الله تعالى على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة، فقال عن اختلاف البحرين:
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أكثر المفسرين على أن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان، أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يتساوى مع الكفر في الحسن والنفع، كما لا يتساوى البحران العذب الفرات، والملح الأجاج، وقال الرازي: والأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة الله تعالى، وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة، ويختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج.
والمعنى: لا يتساوى ولا يتشابه البحران في الحقيقة، فأحدهما عذب الماء شديد العذوبة، سائغ الشراب، يجري في الأنهار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، وثانيهما ملح شديد الملوحة، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار.
وبعد اختلافهما في هذا يتشابهان في أمور: مثل أخذ اللحم الطري والحلية منهما، والذي يوجد في المتشابهين اختلافا وفي المختلفين تشابها لا يكون إلا قادرا مختارا، فقال تعالى:
وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا، وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها أي يصاد السمك من كل منهما، وتستخرج الحلية الملبوسة منهما، وهو اللؤلؤ والمرجان، كما قال عز وجل: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن ٥٥/ ٢٢- ٢٣].
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي تبصر أيها الناظر السفن في البحر شاقّة الماء، مقبلة مدبرة، حاملة المؤن

صفحة رقم 243

والأقوات وأنواع التجارة من قطر إلى آخر، لتطلبوا بأسفاركم بالتجارة بين البلدان من فضل الله، لتشكروا الله أو شاكرين ربكم على تسخيره لكم هذا البحر العظيم، وعلى ما أنعم به عليكم من النعم، فإنكم تتصرفون في البحر كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم دون عائق ولا مانع، بل بقدرته تعالى قد سخر لكم جميع ما في السموات والأرض من فضله ورحمته.
ثم ذكر تعالى دليلا آخر على قدرته التامة وهو اختلاف الأزمنة، فقال:
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يدخل أحدهما في الآخر فيكون أطول منه، فيزيد في زمن كل منهما بالنقص من الآخر، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء.
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي سيّر الشمس والقمر وبقية الكواكب السيّارة، والثوابت الثاقبة بإرادته وقدرته، يجري كل منهما بمقدار معين، ومنهاج مقنن، ومدة محددة هي زمن مدارها أو منتهاها، لتعلموا عدد السنين والحساب، وقيل: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى يوم القيامة.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، لَهُ الْمُلْكُ أي الذي فعل هذا من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك هو الرب العظيم، الذي لا إله غيره، وهو صاحب الملك التام، والقدرة الشاملة، والسلطان المطلق، وكل من عداه عبد له.
ثم أبان تعالى في مقابل ذلك ما ينافي صفة الألوهية، فقال:
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ أي والذين تعبدونهم من الأصنام والأوثان التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين،

صفحة رقم 244

لا يملكون شيئا من السموات والأرض، ولو كان حقيرا بمقدار هذا القطمير، وهو قشرة النواة الرقيقة.
ثم أبطل ما يقولون: إن في عبادة الأصنام عزة، وأبان عجزها وضعفها وحقارتها، فقال:
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ أي إن تدعوا هذه الآلهة من دون الله تعالى لا تسمع دعاءكم لأنها جماد لا تدرك شيئا، ولو سمعوا لم يقدروا أن ينفعوكم بشيء مما تطلبون منها، لعجزها عن ذلك، فهي لا تضر ولا تنفع ولا تغني شيئا، فكيف تعبدونها؟! وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي وفي اليوم الآخر يجحدون كون ما فعلتموه حقا، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم أو أقروكم عليها، ويتبرءون منكم، كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف ٤٦/ ٥- ٦] وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم ١٩/ ٨١- ٨٢].
وتقريرا عاما لهذه المعاني، وتأكيدا لهذه الأخبار، قال تعالى:
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي ولا يخبرك عن أمر هذه الآلهة وعن أمر عبدتها يوم القيامة، أو لا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها إلا خبير بصير بها، وهو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية في الحال أو في الاستقبال، وقد أخبر بالواقع لا محالة.

صفحة رقم 245

فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- من أدلة القدرة الإلهية العظيمة الدالة على وحدانية الخالق خلق الأشياء المتفاوتة، التي منها خلق البحرين: العذب الزلال وهو الأنهار، والملح الأجاج وهو البحار، ومع اختلافهما وتمايزهما حينما يتجاوران، فيهما تشابه بوجود الأسماك في كل منهما، واستخراج الحلية وهي اللؤلؤ والمرجان منهما، أي من اختلاطهما وتمازجهما ونزول مطر السماء، وإن كانت الحلية من البحر المالح.
٢- في قوله تعالى: تَلْبَسُونَها دليل على أن لباس كل شيء بحسبه، فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرّجل.
٣- من نعم الله تعالى ودليل قدرته: تسيير السفن في البحر، لتبادل التجارات بين الأقطار البعيدة في مدة قريبة، وكسب الأرزاق، الذي يستدعي الشكر على ما آتانا الله من فضله وعلى تسخيره البحر للانتقال فيه، وحرية الحركة في أنحائه.
٤- ومن أدلة القدرة الإلهية أيضا: اختلاف الأزمنة بتعاقب الليل والنهار، واختلاف الفصول، وتفاوت زمن الليل والنهار صيفا وشتاء، وتسيير الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة والثابتة في مدة دوران معينة تنتهي في اجتياز مدارها، وبقائها على هذا النحو الدقيق إلى يوم القيامة.
٥- إن صانع كل ما ذكر من خلق السموات والأرض، وإنزال الغيث، وخلق الإنسان من تراب، وإيجاد الماء العذب والماء الملح وما يحققان من ثروة مائية ومعدنية ونفطية وحلي، ودورة الأرض واختلاف الليل والنهار بين نصفي

صفحة رقم 246

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية