الآية ٨ وقوله تعالى : أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسنا ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب. فجائز أن يكون جوابه في قوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات على التقديم له، كأنه يقول، والله أعلم، أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسنا، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يُضل من يشاء، ويهدي من يشاء.
[ ويحتمل ](١) أن يكون قوله : أفمن زُيّن له سوء عمله فلزمه كمن قُبّح له، فانتهى عنه ؟ ليسا بسواء كقوله : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات [ الأنعام : ١٢٢ ].
ذُكر أن قوله : أو من كان ميتا فأحييناه نزل في عمر بن الخطاب، وقوله : كمن مثله في الظلمات في أبي جهل.
فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكرنا(٢) بدءا على التقديم والتأخير.
وقوله تعالى : فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء من الضلال [ والهدى ](٣)، يضل من علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.
وقوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات هذا يحتمل [ وجهين :
أحدها ](٤) : أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات إشفاقا على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان لأن رسول الله كاد يهلك نفسه إشفاقا عليهم، فنهاه عن ذلك(٥).
والثاني : على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه لأنه كان يشتد به الحزن لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به، ليس على النهي كقوله : ولا تحزن عليهم [ النحل : ١٢٧ ] وقد ذكرنا معناه في ما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله أعلم.
وقوله تعالى : إن الله عليم بما يصنعون هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أن الله تعالى على علم بصنيعهم، أنشأهم لا عن جهل بما يكون منهم.
والثاني : عليم بما يصنعون فلا تكافئهم، ولا تشتغلنّ بشيء منهم، ولكن فوّض ذلك إلى الله، وأسلم إليه.
٢ في الأصل وم: ذكر..
٣ في الأصل وم: إلى الهدى..
٤ في الأصل وم: وجوها أحدها..
٥ أدرج بعدها في الأصل: كقوله وقوله..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم