هذا تَرقٍّ في الدليل، فبعد أنْ ذكر سبحانه آية جَعْل الشجر الأخضر ناراً، يسوق الدليل الأقوى، وهو خَلْق السماوات والأرض، السماوات دليل من العلو الثابت الذي لا يتغير، والأرض دليل ملامس لنا، نشاهده ونباشره. وحيثية هذه الآية جاءت في آية أخرى، حيث قال الحق سبحانه: لَخَلْقُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
فإنْ قُلْتَ: عَلِّلْ لنا أن خَلْق السماوات والأرض مع أنها لا تحس ولا تتكلم ولا تعلم.. الخ. أكبر من خَلْق الناس، نقول: نعم خَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس؛ لأنها منذ خلقها الله على حالها لم تتغير، وستظل إلى قيام الساعة، أما أنت أيها الإنسان فتموت، تموت وأنت طفل، بل وأنت جنين في بطن أمك، تموت وأنت شاب وأنت شيخ هَرِم، وقصارى ما يمكن أن تصل إليه لو عُمرت في الدنيا مائة عام أو يزيد عليها بضعة أعوام، فأين عمرك من عمر الشمس، أو القمر أو الأرض؟ وهَل رأيت خادماً أطول عمراً من مخدومه؟
إننا نتوارد على هذا الكون أفراداً وأمماً ودولاً، تذهب جميعها وتَفْنى وتبقى السماء والأرض كما هي شامخة عظيمة، لا يطرأ عليها تغيير، ولا تخرج عن قانون التسخير في شيء أبداً، ومنذ أن خلق الله هذا الكون ما رأينا كوكباً خرج عن فلكه، ولا تخلَّف عن موعده، أو امتنع عن أداء مهمته.
هذا حال الجمادات في السماوات والأرض، فما حالكم أنتم أيها العقلاء؟ لو تحدَّثنا في المادة فهي تبقى وأنتم تموتون، وفي المعاني والقيم تتساند هذه الجمادات، وأنتم تتعاندون وتختلفون وتتصارعون، فأيُّكم إذن أحسن خَلْقاً وأكبر؟
لذلك يجيب الحق سبحانه على هذا الاستفهام المنفي: أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم...
فيقول (بَلَى) أي: نعم قادر وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ وخلاَّق صيغة مبالغة من خالق، ليؤكد هذه القضية لكل مكذِّب بها، وهو سبحانه الْعَلِيمُ أي: بمَنْ خلق.
تفسير الشعراوي
الشعراوي