وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا بفتح السين وضمها قيل : ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله، كالجبل ونحوه، فبالضمّ، أي : جعلنا الموانع والعوائق محيطة بهم، فهم محبوسون في مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل، فأغشيناهم أي : فأغشينا أبصارهم، أي : غطيناها وجعلنا عليها غشاوة، فهم لا يُبصرون الحق والرشاد.
وقيل : نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف : لئن رأى محمداً يصلّي ليرضخنَّ رأسه، فأتاه وهو يصلّي، ومعه حجر، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه، ولزق الحجرُ بيده، حتى فكّوه عنها بجَهد، فرجع إلى قومه، فأخبرهم، فقال مخزوميّ : أنا أقتله بهذا الحجر، فذهب، فأعمى الله بصره، فلم يَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه، ولم يرهم حتى نادوه١. وقيل : هي ذكر حالهم في الآخرة، وحين يدخلون النار، فتكون حقيقة. فالأغلال في أعناقهم، والنار محيطة بهم. والأول أرجح وأنسب ؛ لقوله : وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون أي : الإنذار وتركه في حقهم سواء ؛ إذ لا هادي لمَن أضلّه الله.
رُوي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية في غيلان القدريّ، فقال غيلان : كأني لم أقرأها قط، أُشهِدك أني تائب عن قولي في القدر. فقال عمر : اللهم إِنْ صَدَقَ فتُبْ عليه، وإن كذب فسلّطْ عليه مَن لا يرحمه، فأخذه هشام بن عبد الملك من غده، فقطع يديه ورجليه، وصلبه على باب دمشق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي