الكتاب هو القرآن، والمبارك هو الشيء الذي يعطي من الفائدة والخير فوق ما يُتصوَّر منه، تقول: هذا الشيء نأخذ منه ولا ينقص، نسميه مبروك...
والقرآن مباركٌ، وآياته مباركة من حيث الأحكام الظاهرية، لأنه سيربي النفس على استقامة، هذه الاستقامة لو نظرتَ إليها اقتصادياً تجد أنها لا تُكلِّفك شيئاً، نعم الاستقامة لا تكلفك، أمَّا الانحراف فهو الذي يُكلِّف... ثم إن القرآن مُبَاركٌ من ناحية أخرى، فحين تتفاعل مع المنهج، وحين تعشقه يُبيِّن لك الحق سبحانه ألواناً من الأسرار يتعجَّب منها غيرك، ويفتح عليك فُتُوحات عجيبة، ألم يتعجَّبْ موسى -عليه السلام- وهو نبيّ الله من عمل العبد الصالح، والعبد الصالح عبد الله على منهج موسى، ومع ذلك أمر الله موسى أنْ يتبعَ العبد الصالح، وأن يتعلَّم منه، لكنه يتبعه بإخلاص وبعشق، فلما اتبعه موسى بعشق وإخلاص تعلَّم منه الأعاجيب،...
ومعنى لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِه.. والتدبُّر هو ألاَّ ننظر إلى الوسيلة نظرةً سطحية، إنما ننظر بتفكُّر وتمعُّن وحساب للعاقبة، ننظر إلى الخلفيات واللوازم لنستنبط ما في الشيء من العِبَر،... وقوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ أي: أصحاب العقول الواعية، وتأمل هنا أن الحق سبحانه يُنبِّه العقول، ويُحرِّك الفهم إلى تأمُّل آياته في الكون، والمقابل لك أو الذي بينك وبينه صفقة لا ينبهك إليها، إلا لأنه واثق أنك ستُقبل عليها وإلا أخفاها ودلَّسَ عليك، كالذي يبيع لك سلعة جيدة تراه يشرح لك مزاياها، ويدعوك إلى اختبارها، والتأكد من جودتها ويُنبِّه عقلك إلى ما خَفِي عنك منها...
فالحق -سبحانه وتعالى- يدعونا إلى تأمُّل آياته وتدبُّرها والبحث فيها، لأنه سبحانه واثق أننا حين ننظر وحين نبحث ونتأمل سنقتنع بها، وسنصل من خلالها إلى الحق والصواب. ومع ذلك نرى البعض يقف أمام بعض المسائل الدينية يقول: هذه مسألة فوق البحث ولا عملَ للعقل فيها، ونقول: لكن أمرنا بالتدبُّر والتفكّر والتأمّل في الكون، فلا مانع أنْ نبحث.
تفسير الشعراوي
الشعراوي