ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

تمهيد :
أتبع الحق سبحانه وتعالى قصة داود بدعوته ودعوة الناس جميعا إلى الحكم بالعدل، والبعد عن الهوى والظلم.
ويقول العلماء : إنك إذا ابتُليتَ بشخص معاند مكابر، لا يفتح قلبه للدليل، ولا يفتح عقله للمنطق والبرهان، فمن أساليب السياسة الحكيمة أن تروي له قصة، أو تحكي له موضوعا، فيفتح مداركه لاستيعابه، ويسترسل وراءك لمتابعته، ومن السهل بعد ذلك أن تعيد عليه عرض الموضوع، فربما ترك المكابرة والعناد.
ولذلك أعاد القرآن هنا عرض قضية التوحيد والحساب، وقيام الكون كله على طاعة الله وتوحيده، فبين أن الكون لم يخلق عبثا، وإنما ليشهد بقدرة الخالق، ولولا البعث والجزاء لتساوى الأتقياء والفجّار. وقد أنزل الله القرآن للتدبر وإعمال العقل، فهو كتاب مبارك، يأخذ بيد العقلاء إلى التأمل والتفكر، ثم الإيمان بالله واليوم الآخر.
المفردات :
مبارك : كثير المنافع الدينية والدنيوية.
ليدبروا : ليتفكروا.
ليتذكر : ك ليتعظ.
الألباب : جمع لبّ، وهو العقل، وجمعه : عقول، أي : ليتذكر أصحاب العقول ربّهم.
التفسير :
٢٩- كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب .
أي : هذا القرآن كتاب مبين، أنزلناه من السماء إليك يا محمد، مشتملا على البركة والخير، وسعادة الدنيا والآخرة، وقد أنزلناه بواسطة جبريل الأمين ليتدبروا آياته وأحكامه، وأوامره ونواهيه، فتخشع قلوبهم، وتلين أفئدتهم، وقد أنزلنا هذا الكتاب ليستخدم أصحاب العقول عقولهم، في تأمل حديث القرآن عن بدء الخليقة، وعن إبداع الكون، وعن قصص الأوّلين، وعن التشريع والأحكام، والآداب والوصايا، وعن القيامة وأحوالها، وبذلك يؤمنون ويهتدون بعد تدبر وتذكر.
والآية كما ترى دعوة إلى استخدام العقل والفكر واللبّ، وترك التقليد الأعمى، والتدبر لا يكون بحفظ حروفه وإهمال حدوده، بل بهما معا.
قال الحسن البصري :
قد قرأ القرآن عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه، وضيّعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول : والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا، وقد – والله – أسقطه كله، وما يرى للقرآن عليه أثر في خُلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء والأتقياء، ولا أكثر الله في الناس من مثل هؤلاء.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير