نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢:وقوله : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ أي : تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم : ما كنتم تتكتمون ١ منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم ؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم ؛ ولهذا قال : وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ أي : هذا الظن الفاسد - وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون - هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم، فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ أي : في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.
قال الإمام أحمد - رحمه الله - : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن ابن يزيد٢، عن عبد الله قال : كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر : قرشي، وختناه ثقفيان - أو ثقفي وختناه قرشيان - كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه ٣، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر : إن سمع منه شيئا سمعه كله. قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ إلى قوله : مِنَ الْخَاسِرِينَ
وكذا رواه الترمذي عن هناد، عن أبي معاوية، بإسناده نحوه ٤. وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضا، من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عُمارة بن عمير، عن وهب بن
ربيعة، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، بنحوه ٥. ورواه البخاري ومسلم أيضا، من حديث السفيانين، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبرة، عن ابن مسعود به٦.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ قال :" إنكم تُدعَون مُفَدَّمًا على أفواهكم بالفدام، فأول شيء يبين٧ عن أحدكم فخذه وكفه٨ ٩ ".
قال معمر : وتلا الحسن : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قال الله أنا مع عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني " ثم أفترَّ الحسن ينظر في هذا فقال : ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله فأساءا العمل. ثم قال : قال الله تعالى : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ إلى قوله : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وقال الإمام أحمد : حدثنا النضر بن إسماعيل القاص١٠ - وهو أبو المغيرة - حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر١١ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ١٢.
٢ - (٨) في ت: "رواه الإمام أحمد بإسناده"..
٣ - (٩) في ت: "يسمعه"..
٤ - (١٠) المسند (١/٣٨١) وسنن الترمذي برقم (٣٢٤٩)..
٥ - (١) المسند (١/٤٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٤٩)..
٦ - (٢) صحيح البخاري برقم (٤٨١٧)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٥)..
٧ - (٣) في أ: "ينطق"..
٨ - (٤) في أ: "وكتفه"..
٩ - (٥) تفسير عبد الرزاق (٢/١٥١)، والمصنف (٢٠١١٥)، ورواه النسائي في السنن (٥/٤) وابن ماجه في السنن برقم (٢٥٣٦) من طريق عن بهز بن حكيم بنحوه..
١٠ - (٦) في أ: "القاضي"..
١١ - (٧) في ت: "وروى الإمام أحمد عن جابر"..
١٢ - (٨) المسند (٣/٣٩٠)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة