الآية ٢٣ وقوله تعالى : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ أي وذلكم جهلكم على ما ظننتم١ بأن الله تعالى لا يعلم ذلك، وهو لا يخفى عليه خافية. فظنّكم ذلك أرداكم، أي أغواكم، وأضلّكم عن الهدى.
وقال قتادة : يا ابن آدم إن عليك لشهودا غير مُبهمَة من يديك، فراقبهم، اتق الله في سرّ أمرك وعلانيتك فإنه لا تخفى عليه خافية : الظلمة عنده ضوء والسّر عنده علانية، ومن استطاع أن يموت، وهو بالله حسن الظن، فليفعل، ولا قوة إلا بالله. ثم قال : الظّن ظنّان : ظنٌّ مُنَجٍّ، وظنّ مُرْدٍ ؛ فأما المُنجّي فقوله : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون [ البقرة : ٤٦ ] وما قال : إني ظننت أني ملاقٍ حسابية [ الحاقة : ٢٠ ].
وأما الظن المُردي فقوله : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ فصلت : ٢٣ ] وقوله : إن نظن إلا ظنا [ الجاثية : ٣٢ ] ونحوه.
وقال٢ : وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول، ويحدّث ذلك عن ربه :( عبدي أنا عند ظنك بي وأنا معك إذا دعوتني ) [ الحاكم في المستدرك ١/٤٩٧ ].
وقال الحسن : إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم. فأما المؤمن فأحسن بربه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن، فأساءا العمل، ثم تلا قوله عز وجل : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ الآية، وقال : الجلود كناية عن الفروج. وفي حرف حفصة : وما كنتم تخشون، وفي حرف أبيّ وابن مسعود : ولكن زعمتم أن الله لا يعلم كذا، وكذا في حرفهما : فذلكم زعمكم الذي زعمتم، والزعم في كلام العرب الكذب، وفيه يُستعمل.
وقوله تعالى : أرداكم قال بعضهم : أهلككم، والرّدى الهلاك. وقيل : أُورِدوا٣ المهالك. ويحتمل أرداكم أي أغواكم، وأضلّكم على ما ذكرنا.
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أورد..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم