تمهيد :
تحدثت الآيات السابقة عن عقوبة قوم عاد وقوم ثمود في الدنيا، وكيف أصابهم الهلاك المدمّر، وهنا تتحدث الآيات عن عقوبتهم في الآخرة، وتعرض مشهدا من مشاهد القيامة، حيث يختم الله على أفواه الجناة، وتشهد عليهم جوارحهم بما اكتسبوا من سيئات، وإنه لمشهد مخيف، أن يكون جزّء من الإنسان شاهدا عليه معترفا بجنايته، وهنا يقول الإنسان لأجزاء جسمه : كيف تشهدون عليّ ؟ فتنطق الجوارح وتقول : أنطقنا الله الذين أنطق كل شيء، وبيد الله كل أمر من أمور الخلق والبعث، فقد خلقكم في الدنيا عند ولادتكم، وإليه ترجعون عند الحساب والجزاء.
المفردات :
أرداكم : أهلككم.
التفسير :
٢٣- وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين .
خدعكم هذا الظن الجاهل الأثيم، فوقعتم في الردى والهلاك، وقادكم هذا الظن إلى الخسران في الدنيا والجحيم في الآخرة.
فالله تعالى : بكل شيء عليم . وهو سبحانه مطلع على كل شيء، ورقيب على كل شيء.
قال تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم . ( المجادلة : ٧ ).
وقال عز شأنه على لسان لقمان : يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير . ( لقمان ١٦ ).
وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر عليّ : ثقفيان وقرشي، فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما تقولون ؟ فقال الرجلان : إذا سمعنا أصواتنا سمع، وإلاّ لم يسمع، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل : وما كنتم تستترون... إلى آخر الآيتين ١.
قيل : والظن قسمان : ظن حسن بالله تعالى، وظن فاسد، أما الظن الحسن فهو أن يظن به سبحانه الرحمة والفضل، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل : " أنا عند ظنّ عبدي بي " ٢وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يموتنّ إلا وهو يحسن الظنّ بالله تعالى " ٣.
والظن الفاسد هو أن يظن بالله أنه يعزُبُ ويغيب عن علمه بعض هذه الأحوال.
٢ أنا عند ظن عبدي بي:
رواه البخاري (٧٤٠٥، ٧٥٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) والترمذي (٢٣٨٨، ٣٦٠٣) وابن ماجة (٣٨٢٢) وأحمد (١٠٣٠٦، ١٠٣٢٦، ١٠٤٠٣، ١٠٥٢٦، ٢٧٢٨٣، ٢٧٣٩٥، ٨٨٣٣، ٩٠٨٧، ٩٤٥٧)..
٣ لا يموتن أحدكم:
رواه مسلم في الجنة (٢٨٧٧) وابن ماجة في الزهد (٤١٦٧) وأحمد في مسنده (١٣٧١١) من حديث جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاث يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن"..
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة