ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله : تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا » من السيئات، وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا.
وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله : والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات قال أبو حيان : اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات »، ولغة هذيل١ فتح الواو إجراء لها مُجْرَى٢ الصحيح نحو : جَفَنَات٣. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم٤. قال شهاب الدين : إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك ؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ :«ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ » بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته٥.
فصل
اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ٦ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة ؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
ثم قال : لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة٧. والعندية مجاز و«عِنْدَ رَبِّهِمْ » يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ ». قاله الحوفي٨، أو للاستقرار العامل في «لهم » قال الزمخشري٩. ثم قال : ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق.
هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه :
الأول : أن الملك١٤ الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى.
الثاني : أن قوله تعالى : لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ يدخل في باب غير المتناهي ؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها.
الثالث : أنه تعالى قال : ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر١٥.
٢ في البحر: إجراء للمعتل مجرى..
٣ في النسختين حصيات وفي البحر والسمين جفنات وهو المراد..
٤ وانظر البحر ٧/٥١٥..
٥ الدر المصون ٤/٧٥٢ وهو بالمعنى منه..
٦ في ب قطعة..
٧ والنظر الرازي ٢٧/١٦٣..
٨ نقله عنه أبو حيان في البحر ٧/٥١٥. وقد رفض الزمخشري هذا الرأي..
٩ منصوب بالظرف لا بيشاؤون. الكشاف ٣/٤٦٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود