ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

قوله : أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى : كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ [ الشورى : ٣ ] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض ( حتى١ وصل ) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم : إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال : أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً ٢. قال الزمخشري :«أم » منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ٣ والمعنى : أيقع٤ في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال : فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ قال مجاهد : يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم : إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة : يعني يطبع على قبلك فينسيك٥ القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية٦ فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله : أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين : لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه٧.
قوله تعالى : وَيَمْحُ الله الباطل هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط ؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء الساكنين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا : سَنَدْعُ الزبانية [ العلق : ١٨ ] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل٨. وتقدَّم بحث مثل هذا.
وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو : وَمَن تَقِ السيئات [ غافر : ٩ ]. وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله : وَيَدْعُ الإنسان [ الإسراء : ١١ ] سَنَدْعُ الزبانية [ العلق : ١٨ ].

فصل


أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ » أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم » بما في صدرك وصدورهم.
١ زيادة من الرازي..
٢ المرجع السابق..
٣ الكشاف ٣/٤٦٨..
٤ في ب ليقع. والتصحيح من الرازي..
٥ انظر البغوي وفي ب فيسرك والتصحيح من البغوي..
٦ انظر البغوي ٦/١٢٣..
٧ الرازي ٢٧/١٦٧ و١٦٨..
٨ قاله شهاب الدين السمين في الدر المصون ٤/٧٥٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية