ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

تفسير المفردات : يختم على قلبك : أي يجعل قلبك من المختوم عليهم حتى تجترئ على الافتراء، يمحو : أي يزيل، يحق : أي يثبت، وكلماته : هي حججه وأدلته.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر في الآيات السالفة أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون بالنعيم في روضات الجنات، وأنه يعطيهم من فضله ما فيه قرة أعينهم رحمة من لدنه – ذكر هنا أن ذلك كائن لهم لا محالة ببشارة منه لهم، ثم أعقب هذا بأن أمر رسوله أن يقول لهم : إنه لا يسألهم على هذا البلاغ والنصح أجرا، وإنما يطلب منهم التقرب إلى الله وحسن طاعته، ثم رد عليهم قولهم : إن القرآن مفترى بأنه لا يفتري الكذب على الله إلا من كان مختوما على قلبه، ومن سنن الله إبطال الباطل ونصرة الحق، فلو كان محمد كذابا مفتريا لفضحه وكشف باطله، ولكن أيده بالنصر والقوة، ثم ندبهم إلى التوبة مما نسبوه إلى رسوله من افترائه للقرآن، ثم وعد المؤمنين بأنه يجيب دعاءهم إذا هم دعوه، ويزيدهم من نعمه، وأوعد الكافرين بشديد العقاب كفاء ما اجترحوا من الشرور والآثام.
الإيضاح : ثم أنكر عليهم نسبة افتراء القرآن إلى الرسول ووبخهم على مقالهم فقال :
أم يقولون افترى على الله كذبا أي أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله وهو أقبح أنواع الفرية وأفحشها ؟
وهذا المقال منهم أفظع من الشرك الذي جعلوه شرعا لهم، فإنهم قد جعلوا الحق الأبلج الذي يعاضده الدليل ويؤيده البرهان – افتراء على الله واختلاقا للكذب عليه – وفي ذلك أتم دلالة على بعده صلى الله عليه وسلم من الافتراء.
وخلاصة ذلك : إنهم قالوا إن هذا الذي يتلوه علينا من القرآن ما هو إلا اختلاق من قبل نفسه وليس بوحي من عند ربه كما يدعي.
ثم زاد في استبعاد الافتراء من مثله عليه السلام والإنكار له على أتم وجه فقال :
فإن يشأ الله يختم على قلبك أي فإن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه، فإنه لا يفعل مثل هذا إلا من كان في مثل حالهم قد ختم الله على قلبه وأعمى بصيرته.
والخلاصة : إنه إن يشأ يجعلك منهم، لأنهم هم المفترون الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله.
وما أجمل هذا التعريض بأنهم مفترون، وأنهم في نسبة الافتراء إليه مفترون أيضا، وشبيه بالآية قول أمين نسب إلى الخيانة : لعل الله خذلني، لعل الله أعمى بصيرتي – لا يريد بمقاله إثبات الخذلان وعمي القلب، بل يريد استبعاد الخيانة من مثله، وأن من نسبه إلى ذلك فقد ركب شططا، وأتى أمرا إدّا، وقال قولا نكرا.
ثم أكد استبعاد الافتراء منه وزاده إيضاحا فقال :
ويمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته أي كيف يكون منه الافتراء على الله، وقد جرت سنته تعالى أن يمحو الباطل ويمحقه ويثبت الحق وينشره بين الناس، وها هو ذا يزداد ما أوتيه محمد كل يوم قوة وانتشارا، فلو كان مفتريا كما تدّعون لكشف افتراءه ومحقه، وقذف بالحق على باطله فدمغه.
وقد يكون المعنى : إن هذه عدة من الله لرسوله بالنصر ويكون المراد- يمحو الله باطلهم وما بهتوك به، ويثبت الحق الذي أنت عليه بقضائه الذي لا مرد له، فيكون هذا كلاما معترضا بين ما قبله وما بعده مؤكدا لما سبق من الكلام من كونهم مبطلين في نسبة الافتراء إلى من هو أصدق الناس حديثا.
إنه عليم بذات الصدور فيعلم ما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وتجري الأمور بحسب علمه الواسع المحيط بكل شيء.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير