يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم، وبعضها لله تعالى، وكذلك جعلوا له من الأولاد أخسهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى : أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى [ النجم : ٢١-٢٢ ]، وقال جلّ وعلا هاهنا : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ، ثم قال جلّ وعلا : أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بالبنين ؟ وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار، ثم ذكر تمام الإنكار فقال جلَّت عظمته : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات، يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما يُنشِّرَ به، ويتوارى من القوم من خجله، من ذلك، يقول تبارك وتعالى : فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتنسبونه إلى الله عزّ وجلّ؟ ثم قال سبحانه وتعالى : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي، منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فهي عاجزة عَيِيّة، أَوَ من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم؟ فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص مظاهرها وصورتها بلبس الحلي، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب :
| وما الحلي إلا زينة من نقيصه | يتمُم من حسن إذا الحسن قَصَّرا |
| وأما إذا كان الجمال مُوَفَّراً | كحسنك لم يحتج إلى أن يُزَوّرا |
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي