ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

وَقَالَ هُوَ وَمُجَاهِدٌ: وَمَثَلًا أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَعَنُّتِ قُرَيْشٍ فِي كُفْرِهِمْ وَتَعَمُّدِهِمُ الْعِنَادَ وَالْجَدَلَ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ: يَضْحَكُونَ (١)، أَيْ: أُعْجِبُوا بِذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَجْزَعُونَ وَيَضْحَكُونَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُعْرِضُونَ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِيمَا بَلَغَنِي-يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ، وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَفْحَمَهُ، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ الْآيَاتِ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨]. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزّبعَرى التَّمِيمِيُّ (٢) حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لَهُ: وَاللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا قَعَدَ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُه، سَلُوا (٣) مُحَمَّدًا: أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيحَ [عِيسَى] (٤) ابْنَ مَرْيَمَ؟ فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى، وَرَأَوْا أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ وَخَاصَمَ، فذُكِر ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَمَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠١] أَيْ: عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَمَنْ عُبِدَ (٥) مَعَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ الآيات [الأنبياء: ٢٦]، ونزل

(١) في ت، أ: "وعكرمة وغيرهم يعني يعجبون".
(٢) في ت، م، أ: "السهمي".
(٣) في ت، م: "فسلوا".
(٤) زيادة من ت، م، أ.
(٥) في ت، م: "عبدوا".

صفحة رقم 233

فِيمَا يُذْكَرُ مَنْ أَمْرِ عِيسَى وَأَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَعَجَبِ (١) الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وَخُصُومَتِهِ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أَيْ: يَصِدُّونَ عَنْ أَمْرِكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى فَقَالَ: إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ. وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أَيْ: مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ، يَقُولُ: فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٢).
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ العَوفي، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قَالَ: يَعْنِي قُرَيْشًا، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: فَمَا ابْنُ مَرْيَمَ؟ قَالَ: "ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا، كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَبًّا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٣) مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.
وَقَالَ (٤) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي رَزِين، عَنْ أَبِي يَحْيَى -مَوْلَى ابْنِ عُقَيْلٍ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ عَلِمْتُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ، فَمَا أَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا، أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا فَيَسْأَلُوا عَنْهَا. قَالَ: ثُمَّ طَفِقَ يُحَدِّثُنَا، فَلَمَّا قَامَ تَلَاوَمْنَا أَلَّا نَكُونَ سَأَلْنَاهُ عَنْهَا. فَقُلْتُ: أَنَا لَهَا إِذَا رَاحَ غَدًا. فَلَمَّا رَاحَ الْغَدُ قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، ذَكَرْتَ أَمْسِ أَنَّ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَسْأَلْكَ عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ، فَلَا تَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ (٥) أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا؟ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْهَا وَعَنِ اللَّاتِي قَرَأْتَ قَبْلَهَا. قَالَ: نَعَمْ، أن رسول الله ﷺ قَالَ لِقُرَيْشٍ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ"، وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا كَانَ (٦) آلِهَتُهُمْ كَمَا تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. قُلْتُ: مَا يَصِدون؟ قَالَ: يَضْحَكُونَ، وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ: هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ الْقِيَامَةِ. (٧)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ (٨)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ". فَقَالُوا لَهُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا، فَقَدْ كَانَ يُعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.

(١) في أ: "وتعجب".
(٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٥٨).
(٣) في ت، م: "عز وجل".
(٤) في ت: "وروى".
(٥) في أ: "أعلمها الناس فلم يسألوا عنها".
(٦) في م، أ: "فإن".
(٧) المسند (١/٣١٨).
(٨) في أ: "الأنصاريين".

صفحة رقم 234

(١)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ : قَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَعْبُدَهُ كَمَا عَبَدَ قَوْمُ عِيسَى عِيسَى. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ قَتَادَةُ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ : قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُونَ: آلِهَتُنَا خَيْرٌ مِنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا"، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا أَيْ: مِرَاءً، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا لِمَا لَا يَعْقِلُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨]. ثُمَّ هِيَ خُطَّابٌ لِقُرَيْشٍ، وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ حَتَّى يُورِدُوهُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ مَقَالَتَهُمْ إِنَّمَا كَانَتْ جَدَلًا مِنْهُمْ، لَيْسُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا.
وَقَدْ قَالَ (٢) الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا أُورِثُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، بِهِ (٣). ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِزِيَادَةٍ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا مؤمَّل، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَخْزُومٍ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِي رَفَعَهُ (٤) أَمْ لَا؟ -قَالَ: مَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا كَانَ أَوَّلَ ضَلَالِهَا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، وَمَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا أُعْطُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأَ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ (٦)، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّمَا صُبَّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ، ثُمَّ قَالَ: "لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أُوتُوا (٧) الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ

(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٥٤).
(٢) في ت: "روى".
(٣) المسند (٥/٢٥٦) وسنن الترمذي برقم (٣٢٥٣) وسنن ابن ماجه برقم (٤٨) وتفسير الطبري (٢٥/٥٣).
(٤) في أ: "أرفعه".
(٥) وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن الشامي، ضعفه ابن حبان، وقال: "كان يروى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم المعضلات".
(٦) في أ: "جعفر بن القاسم".
(٧) في ت: "أورثوا".

صفحة رقم 235

(١)
وَقَوْلُهُ: إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ يَعْنِي: عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [مِنْ عِبَادِ اللَّهِ] (٢) أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ: دَلَالَةً وَحُجَّةً وَبُرْهَانًا عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ أَيْ: بَدَلَكُمْ (٣) مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ، قَالَ السُّدِّيُّ: يَخْلُفُونَكَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ بَدَلَكُمْ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ : تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ: مَا بُعث بِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْقَامِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَيِ الضَّمِيرُ فِي وَإِنَّهُ، عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٤)، فَإِنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ نُزُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النِّسَاءِ: ١٥٩]، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى: "وَإِنَّهُ لعَلَم لِلسَّاعَةِ" أَيْ: أَمَارَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ السَّاعَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أَيْ: آيَةٌ لِلسَّاعَةِ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٥)، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَعِكْرِمَةَ، والحسنن وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى [ابْنِ مَرْيَمَ] (٦)، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا.
وَقَوْلُهُ: فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا أَيْ: لَا تَشُكُّوا (٧) فِيهَا، إِنَّهَا وَاقِعَةٌ وَكَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَاتَّبَعُونِ أَيْ: فِيمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ أَيْ: عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ أَيْ: بِالنُّبُوَّةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا الدُّنْيَوِيَّةِ (٨). وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ رَدَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ "بَعْضَ" هَاهُنَا بمعنى "كل"، واستشهد بقول لبيد الشاعر:

(١) تفسير الطبري (٢٥/٥٣).
(٢) زيادة من ت، م.
(٣) في ت: "بدلا منكم".
(٤) زيادة من ت.
(٥) زيادة من ت.
(٦) زيادة من ت، م.
(٧) في ت، م، أ: "تشكون".
(٨) تفسير الطبري (٢٥/٥٥).

صفحة رقم 236

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية