{ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه
صفحة رقم 232
هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم} قوله عز وجل: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً الآية. فيه أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ إِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ) فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً؟ فقد كان يعبد من دون الله، فنزلت. الثاني: ما حكاه مجاهد أن قريشاَ قالت: إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى، فنزلت. الثالث: ما حكاه قتادة أن الله لما ذكر نزول عيسى في القرآن قالت قريش: يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى؟ فنزلت هذه الآية. الرابع: ما ذكره ابن عيسى أنه لما ذكر الله خلق عيسى من غير ذكر كآدم أكبرته قريش فنزلت هذه الآية. وضربه مثلاً أن خلقه من أنثى بغير ذكر كما خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر ولذلك غلت فيه النصارى حين اتخذته إلهاً. ... يَصِدُّونَ فيه قراءتان: إحداهما: بكسر الصاد. والثانية: بضمها فاختلف أهل التفسير في اختلافهما على قولين: أحدهما: معناه واحد وإن اختلف لفظهما في الصيغة مثل يشد ويشُد وينِم وينُم، فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أوجه: أحدها: يضجون، قاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك. الثاني: يضحكون، قاله قتادة. الثالث: يجزعون، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم.
صفحة رقم 233
الرابع: يعرضون، قاله إبراهيم. والقول الثاني: معناهما مختلف، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بالضم يعدلون، وبالكسر يتفرقون، قاله الحسن. الثاني: أنه بالضم يعتزلون، وبالكسر يضجون، قاله الأخفش. الثالث: أنه بالضم من الصدود، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. وَقَالُواْءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ وهذا قول قريش، قالواْ: أآلهتنا وهي أصنامهم التي يبعدونها خير أَمْ هُوَ فيه قولان: أحدهما: أم محمد ﷺ، قاله قتادة. الثاني: أم عيسى، قاله السدي. مَا ضَرَبُوه لَكَ إِلاَّ جَدَلاً قال السدي: هو قول قريش لرسول الله ﷺ تزعم كل شيء عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة هؤلاء قد عبدوا من دون الله. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ فيه وجهان: أحدهما: أن الخصم الحاذق بالخصومة. الثاني: أنه المجادل بغير حجة. قوله عز وجل: إِنْ هُوَ إِلاَّعَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ قال قتادة: يعني عيسى. أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ يحتمل وجهين: أحدهما: بالنبوة. الثاني: بخلقه من غير أب كآدم. وفيه وجه. الثالث: بسياسة نفسه وقمع شهوته. وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ فيه وجهان: أحدهما: يعني أنه لبني إسرائيل، قاله قتادة. الثاني: لتمثيله بآدم، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكم مَّلاَئِكَةً فيه وجهان:
صفحة رقم 234
أحدهما: يعني لقلبنا بعضكم ملائكة من غير أب كما خلقنا عيسى من غير أب ليكونوا خلفاء من ذهب منكم. الثاني: جعلنا بدلاً منكم ملائكة. فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ فيه أربعة أوجه: أحدها: ملائكة يخلف بعضها بعضاً، قاله قتادة. الثاني: ملائكة يكونون خلفاً منكم، قاله السدي. الثالث: ملائكة يعمرون الأرض بدلاً منكم، قاله مجاهد. الرابع: ملائكة يكونون رسلاً إليكم بدلاً من الرسل منكم. قوله عز وجل: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن القرآن علم الساعة لما فيه من البعث والجزاء، قاله الحسن وسعيد بن جبير. الثاني: أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى، قاله ابن إسحاق. الثالث: أن خروج عيسى علم الساعة لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة، قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي. وروى خالد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأَنبِيَاءُ إِخْوَةٌ لَعِلاَّتُ أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِدٌ، أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعيسَى ابنِ مَرْيَمَ، إِنَّهُ لَيسَ بَينِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ نَازِلٍ، فَيَكْسَرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخنزيرَ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإِسْلاَمِ). وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا: إذا نزل عيسى رفع التكليف لئلا يكون
صفحة رقم 235
رسولاً إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا قول مردود لثلاثة أمور: للحديث الذي قدمناه، ولأن بقاء الدنيا يقتضي بقاء التكليف فيها، ولأنه ينزل آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وليس يستنكر أن يكون أمر الله تعالى مقصوراً على تأييد الإسلام والأمر به والدعاء إليه. وحكى مقاتل أن عيسى ينزل من السماء على ثنية جبل بأرض الشام يقال له أفيف. فَلاَ تَمْتَرُونَّ بِهَا فيه وجهان: أحدهما: لا تشكون فيها يعني الساعة. قاله يحيى بن سلام. الثاني: فلا تكذبون بها، قاله السُدي. وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: القرآن صراط مستقيم إلى الجنة، قاله الحسن. الثاني: عيسى، قاله ابن عباس. الثالث: الإسلام، قاله يحيى. قوله عز وجل: وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبِيِّنَاتِ فيها وجهان: أحدهما: أنه الإنجيل، قاله قتادة. الثاني: أنه الآيات التي جاء بها من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، والإخبار بكثير من الغيوب، قاله ابن عباس. قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ فيه قولان: أحدهما: بالنبوة، قاله السدي. الثاني: بعلم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح، قاله ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أن الحكمة الإنجيل الذي أنزل عليه. وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وفيه قولان: أحدهما: تبديل التوراة، قاله مجاهد. الثاني: ما تختلفون فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم، حكاه ابن عيسى. وفي قوله: بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أي كل الذي تختلفون فيه، فكان
صفحة رقم 236
البعض هنا بمعنى الكل ما اقتصرعلى بيان بعض دون الكل، قاله الأخفش، وأنشد لبيد:
| (ترّاك أمكنة إذا لم أرضها | أو يعتلق بعض النفوس حمامها) |
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود